< فراغ سياسي مستمر في ليبيا المنقسمة.. ما بعد سيف الإسلام القذافي؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

فراغ سياسي مستمر في ليبيا المنقسمة.. ما بعد سيف الإسلام القذافي؟

الرئيس نيوز

لقي سيف الإسلام القذافي، الابن الأكثر شهرة للزعيم الليبي السابق معمر القذافي، مصرعه مؤخرًا في عملية ما تزال تفاصيلها غامضة، ليُسدل الستار على فصل طويل من النجاة والصراع على السلطة في ليبيا.

ووفقًا لموقع ميدل إيست مونيتور، لم يكن موته مفاجأة؛ بل كانت المفاجأة الحقيقية أنه تمكن من البقاء على قيد الحياة لأكثر من 15 عامًا بعد سقوط والده وشقيقه المعتصم، وفرار بقية أفراد الأسرة. فمنذ عام 2011، شهدت ليبيا تفككًا متعمدًا لمؤسسات الدولة، ما خلق فراغًا سياسيًا عميقًا غذّى الفوضى والصراعات القبلية والإقليمية في أنحاء البلاد.

ولم تكن نجاة سيف الإسلام نتيجة حنكة شخصية أو قدرة سياسية، بل جاءت نتاج توازن هش بين قوى محلية ودولية رأت فيه أداة ضغط ومساومة أكثر منه خيارًا سياسيًا حقيقيًا.

وظل سيف الإسلام على قيد الحياة لأنه كان ورقة احتفظ بها اللاعبون المحليون والدوليون، ولم يكن خيارًا فعليًا للسلطة. وحين انتهت فائدة هذه الورقة، أصبح القضاء عليه جزءًا من المنطق الذي تحكمت به الفوضى الليبية منذ سقوط النظام.

فالقتل لم يكن استثناءً، بل نتيجة طبيعية لتغير التوازنات السياسية والقبلية والمناطقية. ومنذ سقوط النظام، غابت الدولة المركزية عن البلاد، وأصبحت القوة والشرعية موزعتين بين ميليشيات وقوى متعددة، ما جعل أي شخص خارج شبكة حماية قوية عرضة للانتقام والقتل.

وفي عام 2021، أعلن سيف الإسلام ترشحه للرئاسة من مدينة سبها، مركز الجنوب الليبي. ولم يعد بإمكانه الاعتماد على طرابلس أو بنغازي، فاستخدم الجنوب منصة لمحاولة العودة السياسية، مكررًا خطوة والده الأخيرة حين حاول كسر الحصار عبر الجنوب. لكن الواقع الليبي كان أكثر تعقيدًا؛ فزنتان، حيث احتُجز لأكثر من عقد من الزمن، وسبها، حيث حاول الانطلاق، تكشفان عن أرض مجزأة لا تعترف إلا بولاءات ضيقة ولا تمنح أحدًا شرعية كاملة.

وقبل سنوات من سقوط نظام القذافي، حاول سيف الإسلام تقديم نفسه للعواصم الغربية بوصفه وجهًا معتدلًا للنظام الليبي. ونجح في حل قضية لوكربي، وأطلق سراح الممرضات البلغاريات، وتنقل بين لندن وباريس وروما كإشارة إلى إصلاح محتمل. لكن النخب الليبية التي راهنت عليه انسحبت حين اكتشفت أن مشروعه الوطني لم يتجاوز حدود الخطاب.

وعند اندلاع انتفاضة شرق ليبيا عام 2011، أرسل والده سيف الإسلام للتفاوض في بنغازي، لكنه فشل في إقناع أي طرف، كما فشل والده في قراءة لحظة سقوطه.

توفي شقيقه المعتصم وهو يقاتل، وفرّ سيف القذافي كما توقع الليبيون، وسُجن سيف الإسلام ثم أُفرج عنه لاحقًا. لكنه لم يستطع ملء الفراغ السياسي الذي استهلك مشروعه منذ سقوط النظام. وقبل وفاته، لم يكن له أي حضور في طرابلس، ولا تأثير في مصراتة، واعتمد على قاعدة محدودة في بنغازي والجنوب، ما جعله عاجزًا عن بناء مشروع وطني موحد.

وتمثل وفاته نهاية مرحلة رمزية في ليبيا، لكنها لا تعيد البلاد إلى الاستقرار. فمع رحيل أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل، يظل المشهد الليبي مثقلًا بالانقسامات والفراغ السياسي، ويطرح سؤالًا محوريًا: كيف يمكن لليبيين الاتفاق على الانتخابات في بلد عجز عن توحيد نفسه لأكثر من عقد؟ وفقًا للموقع اللندني.

وكما وصف المؤرخ الإيطالي لويجي فيلارى ليبيا عام 1911: «هذه الأرض لا تمنح أحدًا السلطة؛ بل تمنح فقط وهم السيطرة».

ويبدو أن هذا الوهم ما زال قائمًا، وأن وفاة سيف الإسلام تضيف مزيدًا من التعقيد إلى الأزمة الليبية المستمرة.