< زلزال سياسي في واشنطن وأوروبا.. تداعيات غير مسبوقة لملفات إبستين
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

زلزال سياسي في واشنطن وأوروبا.. تداعيات غير مسبوقة لملفات إبستين

الرئيس نيوز

لا يزال العالم في محاولات شاقة لاستيعاب صدمة شديدة في أعقاب الكشف عن حجم العلاقات الخفية التي نسجها الممول الأمريكي جيفري إبستين خلال حياته، وتشمل مظلة اتصالاته أسماء بارزة من النخبة السياسية والمالية والرياضية حول العالم، بما في ذلك دونالد ترامب، وإيمانويل ماكرون، وبيل وهيلاري كلينتون، وإيلون ماسك، وبيتر ماندلسون، وستيف بانون، وجيس ستالي من عالم المال، إضافة إلى شخصيات أوروبية أخرى وأسماء بارزة من النخبة في عالم السياسة والاقتصاد، وفقًا لموقع «دويتشه فيله» الألماني.

ورغم أن وجود أسماء هؤلاء في الوثائق لا يعني بالضرورة توجيه اتهام جنائي مباشر، فإن انتشار المراسلات والاتصالات واللقاءات أثار سخطًا إعلاميًا وشكوكًا جدية حول طبيعة علاقتهم بإبستين ودوره في شبكة نفوذ عابرة للحدود.

وأطلقت وزارة العدل الأمريكية واحدة من أكبر دفعات الوثائق في التاريخ القضائي للولايات المتحدة، لتكشف عن أكثر من 3.5 مليون صفحة من السجلات والصور ومقاطع الفيديو المتعلقة بإبستين، الذي اتُّهم بالاتجار الجنسي بالقاصرات وتنظيم شبكة واسعة من الاستغلال عبر عقود. وفي قلب هذه التسريبات ظهر مجمع مذهل من الأسماء البارزة من رؤساء دول وساسة عالميين ورجال أعمال وأمراء وأميرات.

ودفعت الوثائق جامعات ومؤسسات عالمية إلى إعادة النظر في علاقاتها بممثلين سابقين عن النخبة؛ فعلى سبيل المثال، قررت جامعة كوينز في بلفاست إزالة اسم السياسي الأمريكي الأسبق جورج ميتشل من برامجها البحثية بعد أن ورد اسمه في مراسلات إبستين، رغم عدم توجيه اتهامات قانونية ضده، ما يعكس مدى الزلزال الأخلاقي الذي أحدثته الوثائق في الأوساط الأكاديمية والاجتماعية أيضًا، وفقًا لـ«بلومبرج».

ولفتت صحيفة «الجارديان» البريطانية إلى مكون آخر يزيد من سخونة المشهد، وهو أن من ظهروا في الوثائق لا ينتمون إلى خلفية واحدة أو مجتمع واحد، بل يمتد حضور الأسماء إلى عالم السياسة الأمريكية العليا والرؤوس الاقتصادية وتيارات التكنولوجيا والصفوة البريطانية. فجاءت الفضيحة لتعكس شبكة علاقات معقدة تشمل ترامب الذي ظهر في سجلات التواصل الاجتماعي والصور، وإيلون ماسك الذي ورد اسمه في رسائل حول زيارات محتملة لجزيرة رجل الأعمال، وبيتر ماندلسون الذي استقال من حزب العمال البريطاني بعد ضغوط مرتبطة بالوثائق، وستيف بانون، مستشار ترامب السابق، الذي تبادل رسائل مع إبستين قبل أشهر من وفاته، ما جعل القضية تتجاوز إطار الاتهامات الجنائية إلى اختبار للثقة في النخبة والمؤسسات حول العالم.

انقلاب سياسي غير مسبوق: كلينتون وزوجته يوافقان على الشهادة أمام الكونجرس

في واشنطن، تسبب الكشف عن الوثائق في إحداث زلزال سياسي داخل أروقة السلطة الأمريكية نفسها، عندما قرر الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون وزوجته وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون — بعد أشهر من الرفض — الامتثال والاستعداد للإدلاء بشهادتهما أمام لجنة رقابة في الكونجرس الأمريكي بشأن علاقاتهما بإبستين.

وجاءت هذه الخطوة بعد أن هدد رئيس اللجنة بإحالتهما إلى العدالة بتهمة ازدراء الكونجرس بسبب رفضهما الاستجابة للاستدعاءات السابقة، وهو إجراء غير مسبوق في تاريخ السياسة الأمريكية ويعكس عمق الأزمة التي أحدثتها التسريبات في النظام السياسي الأمريكي.

وتكشف الوثائق العديد من الرسائل الإلكترونية التي تبادلها فريق موظفي آل كلينتون مع إبستين وشريكته المقربة جيلين ماكسويل، ويتضمن بعضها اتصالات كان يُنظر إليها في البداية على أنها اجتماعية أو مهنية عادية، لكنها تُقرأ الآن في ظل سياق أوسع يثير أسئلة حول مدى الوعي والمصادقة التي قد تكون لدى بعض كبار المسؤولين حول سلوكيات إبستين وشبكته قبل الكشف الكامل عن جرائمه.

ماكرون في قلب العاصفة الأوروبية

وتجاوزت الفضيحة الجغرافيا الأمريكية، إذ أثارت الوثائق أيضًا ضجة في أوروبا، خاصة في فرنسا، بعد أن أُشير إلى اسم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مراسلات مرتبطة بإبستين خلال فترة ما قبل توليه الرئاسة، حين كان يشغل منصب وزير الاقتصاد، وهو ما دفع زعيم حزب «الوطنيون» الفرنسي، فلوريان فيليبو، إلى المطالبة بفتح تحقيق رسمي في باريس بشأن تلك الرسائل والإشارات التي ذكرت اسم ماكرون وتناولت حديثًا معه حول احتمالات الدعم لعلاقات سياسية أو اقتصادية.

وقادت تصريحات فيليبو إلى توجيه اتهامات بالخطر المحتمل على الأمن القومي الفرنسي إذا لم يتم فحص هذه الاتصالات بشكل قانوني مستقل، ما يعكس تأثير القضية خارج حدود الولايات المتحدة وكيف يمكن أن تهز الثقة في القيادة الأوروبية أيضًا.

وتتضمن الرسائل إشارات إلى أن ماكرون، حين كان وزيرًا للاقتصاد في 2016، شارك في تواصل مع شخصيات مرتبطة بإبستين أو تبادل رسائل متعلقة بأعمال دولية، وهو ما وضع اسمه في دائرة الحملة والانتقاد السياسي داخل فرنسا، وسط دعوات من نواب في البرلمان الفرنسي لمزيد من الشفافية والتحقيق الشامل في هذه الروابط، التي قد تبدو على الورق مجرد تبادلات اجتماعية، لكنها في سياق هذه الوثائق الضخمة تثير مخاوف حول اعتماد كبار القادة على شبكات كان يقودها إبستين.

من التواطؤ الاجتماعي إلى تهديد الثقة العامة

لم تقتصر القضية على أسماء سياسية فقط، بل امتدت إلى قادة أعمال وتقنيين مثل إيلون ماسك وبيل جيتس وبيتر ثيل وغيرهم من كبار رؤساء صناعة التكنولوجيا، الذين وردت أسماؤهم في آلاف الصفحات عبر رسائل وبريد إلكتروني تشير إلى تفاعلات مع إبستين، وإن نفوا جميعًا علاقات وثيقة بأي أنشطة جنسية إجرامية. وتعكس هذه الروابط عبر قطاعات مختلفة مدى تنامي شبكة إبستين وتأثيرها في دوائر السلطة والتأثير العالمي، حتى بعد أن أُدين وحُكم عليه في 2008 بتهم مرتبطة بالبغاء، وقُبض عليه في 2019 بتهم الاتجار الجنسي قبل أن تُعلن وفاته في زنزانة سجن بنيويورك.

وتجاوز الاهتمام الإعلامي والسياسي مجرد الشكوك إلى اختبار حقيقي لمدى قدرة الأنظمة القضائية والسياسية على مساءلة الأقوى، فعلى الرغم من ضخامة ما نُشر، لا يزال هناك مئات الآلاف من الصفحات التي لم تُفرج عنها وزارة العدل أو جرى حجبها لأسباب تتعلق بالخصوصية والأمن، ما يؤجج تساؤلات حول ما إذا كانت الشفافية الكاملة ستتحقق في نهاية المطاف أم ستظل بعض الفصول مغلقة للحفاظ على استقرار النظم السياسية.

ضغوط دولية وإعلامية غير مسبوقة

فتحت الفضيحة نقاشات واسعة حول العدالة والمساءلة والشفافية في التعامل مع ملفات تتقاطع فيها السلطة بالمال والنفوذ الشخصي. 

ودعا كثير من المراقبين إلى ضرورة كشف كل الوثائق وإجراء تحقيقات مستقلة في الدول التي وردت أسماؤها فيها، لضمان عدم تحول القضية إلى مجرد فضيحة إعلامية تخفت مع الوقت، بل إلى فرصة لإعادة تأسيس مستوى من المحاسبة للمؤثرين في المواقع العليا.