< جدل الأسبوع.. جرينلاند: الأضرار الدائمة لنوبة غضب ترامب
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

جدل الأسبوع.. جرينلاند: الأضرار الدائمة لنوبة غضب ترامب

الرئيس نيوز

طرح الكاتب الأمريكي جدسون بيرجر في مجلة ناشونال ريفيو سؤالًا بسيطًا عن القصة الطويلة لولع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بامتلاك جزيرة جرينلاند: "هل كان الأمر يستحق العناء؟"، وقالت مجلة ذا ويك إن القصة، فيما يبدو، ربما انتهت الأسبوع الماضي في صمت. ففي خطاب ألقاه أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، تراجع ترامب عن تهديداته السابقة بضم الجزيرة بالقوة العسكرية، وأعلن أيضًا إلغاء الرسوم الجمركية التي كان يلوح بفرضها على دول أوروبية عارضت خططه لشراء الجزيرة شبه المستقلة من الدنمارك.

وبدلًا من ذلك، قال ترامب إنه توصل مع الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، إلى "إطار اتفاق بشأن جرينلاند". 

وادعى أن هذا الاتفاق الغامض وغير المكتوب حتى الآن سيسمح ببناء نظام دفاع صاروخي مشكوك في جدواه أطلق عليه اسم "القبة الذهبية"، كما سيتيح للشركات الأمريكية الحصول على تراخيص للتنقيب عن المعادن في الجزيرة، ويشمل "جيوبًا" من السيادة الأمريكية حول قواعد عسكرية موسعة.

ولكن هذا الادعاء الأخير لا يزال غير مؤكد، وفقًا للكاتب دوجلاس إيه. شون في مقاله المنشور بصحيفة ذا هيل، ومقرها واشنطن، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة تتمتع أصلًا بحقوق عسكرية وتجارية كاملة في جرينلاند بموجب معاهدة موقعة عام 1951. 

والنتيجة إذن: لم تكسب واشنطن شيئًا جديدًا، بينما أضعفت تكتيكات ترامب القائمة على "الصدمة والترويع" حلف الناتو، وشجعت روسيا والصين، وألحقت أضرارًا جسيمة وطويلة الأمد بالمصالح الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية الأمريكية.

أوروبا تجبر ترامب على التراجع

كما أوضح إسحاق ستانلي-بيكر وجوناثان ليمير في مقالهما بمجلة ذا أتلانتيك، فإن ترامب حاول تصوير تراجعه على أنه انتصار لمفاوضاته الصعبة، لكن الحقيقة أن "أوروبا أجبرت ترامب على التراجع بشأن جرينلاند". إلا أن السياسة الداخلية لعبت دورًا أيضًا، إذ كشفت استطلاعات أن 86% من الأمريكيين يعارضون غزو حليف في الناتو، وحتى بعض الجمهوريين المعروفين بولائهم للرئيس ترامب انتقدوا طموحاته التوسعية.

ولكن الضغط الحقيقي جاء من أوروبا، التي واجهت تهديداته بصلابة ووحدة غير مسبوقة. فقد نفذت قوات من ثماني دول أوروبية مهمة استطلاعية مشتركة إلى جرينلاند، وهو ما "أربك ترامب"، إضافة إلى الهبوط الحاد في سوق الأسهم الأمريكية بعد أن بدأ الاتحاد الأوروبي ببيع السندات الأمريكية وهدد بفرض رسوم انتقامية جديدة. 

هذا "الاشمئزاز الأوروبي" من الولايات المتحدة سيستمر طويلًا بعد انتهاء ولاية ترامب، لكن الدرس الأهم هو أن أوروبا، كما قال أحد مسؤولي الاتحاد الأوروبي، "تتعلم كيف ترد على التنمر بتنمر مضاد".

ترامب ليس ديكتاتورًا مطلقًا

وفي افتتاحية لصحيفة وول ستريت جورنال، جاء أن ترامب ربما ليس "ديكتاتورًا كلي القدرة" كما تصوره بعض وسائل الإعلام الليبرالية، التي وصفته في ولايته الثانية بأنه "وحش فرانكنشتاين طليق يفعل ما يشاء". لكن الواقع أن ترامب تراجع عن خططه في جرينلاند تحت ضغط الرأي العام والأسواق والحلفاء وحتى بعض الجمهوريين. الحقيقة أنه، رغم أسلوبه المبالغ فيه، يبقى "قائدًا ديمقراطيًا في جمهورية دستورية"، يخضع للقيود نفسها التي يواجهها أي رئيس أمريكي.

سلوك غير عقلاني

لكن هل يشمل ذلك العقلانية؟ تساءل ديفيد فرينش في نيويورك تايمز، فقد كان سلوك ترامب "غير عقلاني بشكل واضح"، بدءًا من ادعائه أنه يملك "حاجة نفسية" لامتلاك جرينلاند، وصولًا إلى الرسالة "المجنونة والواهمة" التي بعث بها إلى رئيس وزراء النرويج، مهددًا بغزو جرينلاند لأن "بلادك قررت ألا تمنحني جائزة نوبل للسلام". 

وفي ديمقراطية أكثر صحة، كما كتب مايكل هيكس في صحيفة ستار برس بولاية إنديانا، كان هذا السلوك الجامح كافيًا لعزله أو إقالته بموجب التعديل الخامس والعشرين للدستور. ولكن في بلد يعاني من خلل وظيفي سياسي، كل ما يستطيع الأمريكيون الشرفاء فعله هو أن يشعروا بـ"الخزي، من رئيسهم ومن أمتهم"، كما يرى هيكس.

لكن قصة ترامب مع جرينلاند لم تكن مجرد نزوة سياسية، بل تحولت إلى أزمة دبلوماسية أضعفت صورة الولايات المتحدة وأظهرت حدود قوة الرئيس أمام ضغط الحلفاء والأسواق والرأي العام.

وبينما يرى البعض أن هذه الحادثة أكدت أن ترامب ليس ديكتاتورًا مطلقًا، فإن آخرين يعتبرونها دليلًا على سلوك غير عقلاني يهدد مكانة أمريكا الدولية، ويترك أثرًا طويل الأمد على علاقاتها مع أوروبا والعالم.