تصريحات سعودية: الخلاف مع الإمارات بشأن اليمن في طريقه إلى الانتهاء
أثارت تصريحات الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، وزير الخارجية السعودي، نهاية الأسبوع الماضي موجة اهتمام دوليًا حول ما إذا كانت الرياض ترى بداية نهاية للخلافات الحادة مع الإمارات العربية المتحدة على خلفية الملف اليمني، وأكد أن العلاقات بين الرياض وأبو ظبي تظل “حيوية واستراتيجية من أجل استقرار المنطقة”، في تلميح قوي إلى أن التوترات الأخيرة – التي كانت قد بلغت ذروتها بشأن النزاع في اليمن – قابلة للحلحلة، وفقا لصحيفة فايننشيال تايمز.
وقال الوزير السعودي في مؤتمر صحفي مشترك في وارسو مع نظيره البولندي إن العلاقات بين السعودية والإمارات ضرورية لتحقيق الاستقرار في الخليج، وأن انسحاب الإمارات الكامل من اليمن – إن صح – يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في إعادة تعريف العلاقة بين البلدين.
وأضاف أن الرياض تتطلع إلى “علاقات قوية وإيجابية” مع أبو ظبي، معتبرًا أن ذلك سيكون “لبنة أساسية لضمان استمرار الشراكة القوية في خدمة مصالح البلدين والمنطقة بأسرها”.
قالت صحيفة آراب ويكلي اللندنية إن هذه التصريحات السعودية تأتي في سياق تراجع الإمارات عن مشاركتها العسكرية في اليمن رسميًا، بعد تصاعد الخلاف بين الدولتين بسبب دعم أبو ظبي لفصائل انفصالية في الجنوب اليمني وتحركات المجلس الانتقالي الجنوبي التي أثارت حفيظة الرياض وأصبحت تمس أمنها القومي.
وقد انسحبت الإمارات من اليمن بالكامل وفق تقارير صحفية غربية، في خطوة اعتبرت محاولة لخفض حدة الخلاف مع الرياض، وإنهاء أزمة تصاعدت في الأشهر الماضية.
يذكر أن الخلاف السعودي الإماراتي حول اليمن لم يقتصر على المسألة العسكرية فقط، بل امتد إلى اتهامات متبادلة وأجواء إعلامية متوترة، حيث ركزت وسائل إعلام سعودية على اتهام الإمارات بدعم فصائل معارضة وهيئات مسلحة في اليمن، بينما ركزت أبو ظبي على نفي مزاعم التدخل أو استهداف أمن الرياض بشكل مباشر.
من الخلاف إلى التعاون؟
مع الإعلان عن انسحاب الإمارات من اليمن، بدا أن الرياض تريد رسم مسار جديد للعلاقات الثنائية، مستندة إلى فكرة أن تجاوز الأزمة اليمنية يمكن أن يعيد تشكيل العلاقات الخليجية في إطار أوسع من التعاون المشترك بدلًا من التنافس أو الانقسام.
وفي هذا السياق، شدّد وزير الخارجية السعودي على أن الرياض تمنح أولوية لـ”العلاقات الإيجابية” مع أبو ظبي، وهو تصريح يقرأه مراقبون على أنه إشارة واضحة إلى أن قضية اليمن لا يجب أن تكون عقبة أمام مسار أوسع من التنسيق الخليجي.
وتعكس هذه التصريحات محاولة لإعادة البيّنة إلى نصابها التقليدي داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الذي لطالما لعب دورًا محوريًا في مواءمة السياسات الإقليمية بين العواصم الخليجية.
المحللون يرون أن الرياض تريد تبديد أي انطباع بأن الخلاف السعودي الإماراتي على اليمن قد يقود إلى تراجع في التعاون الاستراتيجي بين طرفين يعدان من أكبر دول مجلس التعاون اقتصاديًا ودبلوماسيا.
القضية اليمنية في ظل التحولات الخليجية
منذ اندلاع الحرب الأهلية في اليمن وتحولها إلى ساحة تدخلات إقليمية معقدة، كانت الرياض وأبو ظبي حليفتين رئيسيتين في التحالف الذي تقوده السعودية ضد الحوثيين، لكن دعم الإمارات لفصائل انفصالية في الجنوب – وخصوصًا المجلس الانتقالي الجنوبي – أثار توترات مع الرياض التي تعتبر أمن حدودها الجنوبية جزءًا من أمنها القومي.
هذا الخلاف بلغ ذروته في نهاية العام الماضي، ما دفع كلا الطرفين إلى اتخاذ خطوات متسارعة بهدف إنهاء الأزمة.
ومع خروج الإمارات من اليمن، يرجح الخبراء أن الرياض بصدد التخلي عن نقطة الخلاف الأكثر حدة، والتركيز بدلًا من ذلك على تعزيز العلاقات الثنائية في مجالات أخرى مثل الاقتصاد والاستثمار والأمن الإقليمي، وهو ما تنظر إليه الرياض باعتباره ضرورة لضمان الاستقرار في الخليج والمنطقة ككل.
ويقدر مراقبون أن إطلاق تصريحات علنية من أعلى مستوى في الحكومة السعودية حول “أهمية العلاقات وأولوية استمرارها” هو مؤشر قوي على رغبة سعودية ملموسة في تهدئة الخلاف مع الإمارات، ليس فقط بشأن اليمن وإنما في إطار استراتيجية الخليج الأوسع.
ويرون أن ذلك يتيح فرصة لإعادة التنسيق بين البلدين الذين واجها تحديات كبيرة في الملفات الإقليمية مؤخرا، بما في ذلك النزاع في اليمن، والمنافسة في إفريقيا، وقضايا أخرى تتطلب تعاونًا لا تنافسًا بين الشريكين التاريخيين.
ووفقا للصحيفة اللندنية، يمكن قراءة هذه التصريحات السعودية على أنها مؤشر على بوادر حل للخلاف الخليجي حول اليمن، وإن لم يتم إعلان اتفاق رسمي أو خارطة طريق واضحة بعد. لكن إصرار الرياض على إبقاء العلاقات “قوية وإيجابية” يشير إلى أن الخلاف، الذي كان قد بلغ مستوى غير مسبوق من التوتر، قد يدخل مرحلة الاستقرار والتهدئة بدلًا من التصعيد المفتوح.