رغم استعادتها جميع الأسرى أحياء وأموات.. مؤشرات على استمرار المماطلة الإسرائيلية
بينما قال جيش الاحتلال الإسرائيلي إنه قواته، استعادت جثة آخر أسير لدى حركة حماس، وهو الجندي ران غفيلي؛ فإن ذلك لم يبدد الشكوك بشأن مدى التزام تل أبيب، باتفاق وقف الحرب في غزة الذي طرحه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الذي صرح امس الاثنين أن الخطوة التالية على حماس هي نزع سلاحها.
ووفق الاتفاق، فإن عودة جميع الأسرى الإسرائيليين، الأحياء والأموات، تعني نظريًا أنه لم تعد هناك حجة لتأخير تنفيذ خطة ترامب، بما في ذلك فتح معبر رفح، والترتيبات المتعلقة بنشر قوة دولية في غزة وقوات شرطية فلسطينية تتولى نزع سلاح حركة حماس.
وقال نتنياهو إن هذه العملية تؤكد صحة سياسته في هذه الحرب، وأضاف، في حديث لوسائل الإعلام: "قلت لكم إنني سأعيد الجميع، وها أنا أحقق ذلك، بالتعاون مع الجيش".
ووفق تقارير فإن مصادر عسكرية، قالت إنه توفرت معلومات استخبارية لدى إسرائيل، قبل عدة شهور بأن جثمان غفيلي دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية أقامتها حركة الجهاد الإسلامي، وطلب الجيش أن يقوم بعملية تفتيش هناك، لكن القيادة السياسية منعته من ذلك، وظلت تطالب حماس بتحريره، ووجهت لها الاتهام بأنها تتعمد الاحتفاظ به، لاستخدامه ورقة ضغط في المفاوضات.
ووفق صحيفة الشرق الأوسط فراح الجيش يمارس ضغطًا على طريقته، بالعمليات الحربية والغارات والقصف المدفعي؛ ما تسبب في قتل 500 فلسطيني معظمهم من الأطفال والنساء والمسنين، وتسبب ذلك في عرقلة تنفيذ خطة ترامب، إذ أصرت إسرائيل على تحرير الجثمان أولًا.
وعندما وافقت القيادة السياسية الإسرائيلية على السماح للجيش التفتيش، لم يستغرق الأمر أكثر من يومين، حتى عُثر على الرفات. ولم تقبل الإدارة الأميركية الموقف الإسرائيلي بربط تحرير الجثة مع فتح معبر رفح، وأرسلت إلى تل أبيب، السبت الماضي، المستشارين ستيف ويتكوف وغاريد كوشنر وجوش غرينباوم، وبعد اجتماعهم مع نتنياهو، وافق على فتح المعبر، قبل العثور على الرفات.
وتعد الخطوة المنتظرة، دخول لجنة إدارة غزة المكونة من التكنوقراط الفلسطينيين لتسلم الإدارة المدنية للحكم وكذلك أسلحة حماس، مقابل دخول القوات المتعددة الجنسيات وبدء الانسحاب الإسرائيلي إلى ما بعد الخط الأصفر، باستثناء منطقة الحزام الأمني على طول الحدود، والذي يُفترض ألا يزيد عرضه على نصف كيلومتر.
ووفق خبراء فإن توقعات بأن حكومة نتنياهو لن تتوقف عن وضع العراقيل أمام هذه العملية؛ إذ إن اليمين المتطرف في الحكومة يصر على إفشال الخطة والعودة إلى مشاريع ترحيل الفلسطينيين وإعادة الاستيطان اليهودي إلى القطاع. وأعقبت إسرائيل، إعلان استعادة الرفات الأخيرة، بالتأكيد على الانتقال إلى مرحلة نزع سلاح «حماس».
وقال نتنياهو في بيان، إن الهدف المركزي الآن هو تجريد حركة (حماس) وباقي الفصائل في قطاع غزة من قدراتها العسكرية المتبقية، وفرض واقع جديد يجعل من غزة منطقة آمنة منزوعة السلاح، قبل الحديث عن أي خطط للتنمية أو الإعمار.
وجاء ذلك التحديد الإسرائيلي للمسار المقبل دون الحديث عن التزاماتها، المرتبطة بفتح معبر رفح فورًا والانسحاب التدريجي من القطاع؛ ما أثار الشكوك بشان اندلاع أزمة جديدة. ويعتقد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي، أن استعادة الرفات الأخيرة سيعطي دفعة للاتفاق بفتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني وهو بند مؤجل من المرحلة الأولى من اتفاق غزة، على أن يبدأ بعدها تنفيذ المرحلة الثانية وبنودها والتزاماتها خصوصًا على إسرائيل دون أي تأجيل جديد.
وأوضح أن ورقة نزع سلاح حماس التي رفعها نتنياهو مباشرة عقب استعادة الرفات الأخيرة جزء من المزايدات السياسية داخل إسرائيل قبل الانتخابات المحتملة، لا سيما أن هناك ضوءًا أخضر أميركيًا ببدء تنفيذ المرحلة دون أي تأخير.
ويرى المحلل السياسي الفلسطيني عبد المهدي مطاوع، أن نتنياهو يحاول ألا ينفذ المرحلة الثانية بكامل بنودها التي تتضمن الانسحاب الإسرائيلي، وسيطيل أمدها بحيث يستغلها في أي انتخابات قادمة، ويستعرض أن ما قدمه في غزة من دمار على أنه إنجاز، ويستخدم ورقة نزع السلاح في تمرير ما يريد.
ونبه مطاوع خلال حديثه مع الشرق الأوسط أن حماس وقعت على اتفاق غزة المدرج فيه بند نزع السلاح، وهي الآن أمام خيارين، إما الاستجابة لذلك عن طريق التوصل لحل أو تفاهمات بشأنه، وإما الرفض ويكون ذلك فرصة لنتنياهو ليواصل المماطلة واستهدافها في ظل توافق أميركي على نزع السلاح.
وإزاء هذه العقبات المحتملة، لا يزال مطلب الوسطاء دفع الاتفاق للأمام، حيث بحث وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في لقاءين منفصلين، مع نظيريه التونسي، محمد النفطي، والجزائري، أحمد عطاف، مستجدات الأوضاع في قطاع غزة، بحسب بيانين للخارجية.
وأكد وزير الخارجية المصري خلال اللقاءين أهمية الدفع قدمًا بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي، ودعم اللجنة الوطنية لإدارة غزة، والإسراع بنشر قوة الاستقرار الدولية لمتابعة تثبيت وقف إطلاق النار، تمهيدًا لمرحلة التعافي المبكر وإعادة الإعمار، مع التشديد على ضرورة استمرار تدفق المساعدات الإنسانية إلى القطاع دون عوائق.
وشدد السفير هريدي على أن تكرار مصر لمطالب تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق غزة بمثابة دفعة وضغوط لإنجاز الاتفاق وعدم تعطيله، ومنحه زخمًا جديدًا، مشيرًا إلى أنه ينتظر دخول لجنة إدارة غزة للقطاع وفتح معبر رفح المرتقب بعد استعادة الرفات الإسرائيلية، وأن تبحث ملفات نشر قوات الاستقرار ونزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيل.
وزعم جيش الإسرائيلي، الاثنين، العثور على جثة الجندي ران غويلي الذي قتل خلال هجمات السابع من أكتوبر واحتجزت حركة حماس جثمانه في قطاع غزة.
وأوضح المتحدث باسم الجيش أنه تم التعرف على الجثة بعد عمليات فحص بيولوجية وتشخيص دقيقة في معهد الطب الشرعي.
وعقب الإعلان الرسمي من الجيش، نشرت وسائل إعلام عبرية التفاصيل الكاملة والدقيقة لعملية البحث عن “الجندي الأخير”.
وذكر الإعلام العبري أنه وبعد فحص 250 جثمانا في المقبرة الغزّية في حي الشجاعية، نجحت قوات الجيش الإسرائيلي في العثور على ران على الساعة 13:30 ظهر الاثنين 26 يناير 2026.
وأفادت بأنه تم استكمال عملية التعرّف بشكل قاطع بعد إجراء عمليتي تحقق مستقلتين من الهوية أي تطابق كامل وحاسم يتيح للجهات المخولة تحديد الهوية بشكل نهائي.
وأشارت إلى أن عملية “قلب شجاع” للبحث عن غويلي استمرت نحو 48 ساعة من صباح يوم السبت 24 يناير وحتى العثور على الجثة مساء الاثنين 26 يناير. وأوضحت أن القوات الإسرائيلية ستقوم بإعادة ترتيب المقبرة وإرجاع الجثامين إلى قبورها ثم الانسحاب من المكان.
ولفت الإعلام العبري إلى أنه كان لدى الجيش الإسرائيلي عدد من الفرضيات الاستخبارية المركزية بشأن مكان وجود غويلي، الأولى أنه دفن في هذه المقبرة نتيجة خطأ في التعرف على هويته.
والثانية أنه دفن على يد مسلحين داخل نفق يبعد نحو كيلومتر واحد عن المقبرة وقد قامت قوات الجيش بحفر النفق، ونفذت وحدة “يهلوم” عمليات تمشيط معمقة داخله لفحص هذا الاحتمال، لكنه لم يسفر عن أي نتائج.
كما طُرحت فرضيات أخرى في مراحل سابقة تمثلت في احتمال دفنه قرب مستشفى الشفاء، أو في مقبرة أخرى شمالي القطاع، إلا أن الموقعين يقعان وراء “الخط الأصفر”، ولذلك لم يكن بالإمكان إجراء عمليات بحث هناك.
وأكدت المصادر ذاتها أنه وفي كل مرحلة من مراحل الاحتمالات الأربعة لم تتوفر معلومات مؤكدة حول الموقع الدقيق.
ووفق الإعلام العبري، قبيل الأسبوع الماضي وردت معلومات عززت احتمال وجوده في المقبرة، وعلى أساسها اتخذ القرار بالمصادقة على هذه العملية والانطلاق بها.
وفي تفاصيل عملية البحث، أكدت وسائل الإعلام أن عامل الطقس أثر على مجرياتها حيث سارعت القوات الإسرائيلية إلى تنفيذها بهدف إنهائها قبل هطول الأمطار المتوقعة يوم الأربعاء.