جدل برلماني حول رسوم هواتف القادمين من الخارج.. حماية للصناعة أم جباية من المواطنين؟
في محاولة لتحقيق التوازن بين تنظيم الاستيراد ودعم الصناعة الوطنية، تعرض عدد من المستخدمين والزائرين من خارج البلاد فور وصولهم مصر، إلى أزمة توقف هواتفهم المحمولة عن العمل، الأمر الذي قوبل بموجة اعتراضات ورفض حاد من قبل أعضاء مجلس النواب، وذلك مع إعلان مصلحة الجمارك والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات عن انتهاء فترة الإعفاء الاستثنائى لأجهزة الهاتف المحمول الواردة من الخارج بصحبة راكب، وذلك اعتبارًا من 21 يناير 2026، في إطار تطبيق منظومة حوكمة أجهزة الهاتف المحمول الواردة من الخارج التي بدأت قبل عام، بعد أن كان الوضع السابق يتيح للمسافر القادم من الخارج تسجيل هاتف محمول شخصي واحد معفي من الرسوم الجمركية لدى الوصول للمطار، وفرض رسوم جمركية وصلت لـ(37.5%) وتسجيل الموبايل عبر تطبيق "تليفوني" لتجنب إيقاف الخدمة عن الشبكات المحلية، مع إتاحة مهلة زمنية تصل إلى 90 يومًا من تاريخ أول تفعيل.
بحسب بيانات الحكومة؛ يبلغ حجم احتياجات السوق من أجهزة الهاتف المحمول 20 مليون جهاز سنويًا قبل 2019.
وقد أسهمت المنظومة الجديدة في دخول 15 شركة عالمية لتصنيع أجهزة الهاتف المحمول إلى السوق المصري بطاقة إنتاجية 20 مليون جهاز سنويًا بحجم استثمارات 200 مليون دولار. إلا أن ذلك لم يُغير في الأمر كثيرًا، حيث استمرت الأسعار في الارتفاع دون تراجع، رغم انخفاض أسعار الهواتف بدول الخارج، وهو ما يدفع المصريين بالخارج لشراء هواتف لاستخداهم الشخصي عند عودتهم لتوفير فرق السعر بين المُصنع محليًا والمستورد.
استدعاء الحكومة في أول اجتماع للجنة الاتصالات
الرفض البرلماني للقرار الحكومي بدأ مع قرار النائبة مها عبدالناصر، وكيل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالبرلمان، باستدعاء ممثلي الحكومة في أول اجتماع للجنة، لمناقشة قرار إلغاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف المحمولة الخاصة بالمصريين القادمين من الخارج، وذلك في ظل ما أثاره القرار من تساؤلات وردود فعل واسعة بين المواطنين، والوقوف على مبررات القرار وآليات تطبيقه، ومدى توافقه مع اعتبارات العدالة الاجتماعية ومصلحة المواطنين، خاصة المصريين العاملين بالخارج.
وأكدت النائبة أن اللجنة حريصة على أداء دورها الرقابي والتشريعي، وفتح حوار واضح وشفاف مع الحكومة بشأن القرار، وتقييم تأثيره الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب بحث البدائل الممكنة التي توازن بين حقوق الدولة وعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية.
تخفيض الجمارك على مكونات التصنيع
وفي تعقيبها على رد مصلحة الجمارك بأن الهدف من القرار الجمركي هو تشجيع الصناعة الوطنية، قالت النائبة مها عبدالناصر وكيل لجنة الاتصالات: إن هناك طرق كثيرة لتشجيع الصناعة الوطنية والمنتج المحلي أهمها تخفيض الجمارك عن مكونات تصنيع الهواتف داخل مصر دون زيادة أعباء على ثمن الجهاز، بالإضافة إلى أن ما يتحدث حوله مسئولي الجمارك هو موضوع تهريب أجهزة "الآيفون" رغم أن مصر لا تصنع هذا المنتج من الأساس.
وكشفت النائبة في تصريحها لـ"الرئيس نيوز" أن اللجنة سوف تستدعي ممثلي الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات وممثلي مصلحة الجمارك بوزارة المالية لبحث الأمر وما النتائج المترتبة حوله، وذلك خلال أول اجتماع للجنة الاتصالات.
وبسؤالها حول إمكانية مناقشة قضايا أخرى متعلقة بموضوع أجهزة الهواتف المحمولة، أكدت وكيل اللجنة أن الاجتماع سيشهد بالفعل مناقشة قضية الأسعار المبالغ فيها لأجهزة الهواتف المحمولة المُصنعة محليًا لكي تصبح مساوية أو متقاربة لأسعارها بالخارج.
لا مساس على الإطلاق بالسائحين
رئيس لجنة الاتصالات، النائب أحمد بدوي، أكد أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات سيُصدر بيانًا رسميًا لتوضيح وتفسير ما أُثير مؤخرًا بشأن منظومة تنظيم أجهزة المحمول وتوضيح الرؤية كاملة.
وأكد بدوي أنه لا مساس على الإطلاق بالخطوط الخاصة بالسائحين، مشددًا على أن أي سائح، أيًا كانت جنسيته، له الحق بإستخدامه هاتفه دون إغلاق وهذا ما أكده الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات.
وأوضح رئيس اللجنة؛ أن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات سيفسّر بشكل كامل في بيانه المرتقب أن الهدف من المنظومة ليس إيقاف أو تعطيل الهواتف، وإنما دعم التصنيع المحلي لأجهزة المحمول داخل مصر وتنظيم السوق. ومن المقرر عقد اجتماع حكومي لتوضيح ما تم تداوله مؤخرًا عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وتصحيح العديد من المفاهيم المغلوطة المرتبطة بهذا الملف.
وشدد النائب على أن الهدف الأساسي من المنظومة هو تحقيق التوازن بين التنظيم ودعم الصناعة الوطنية، دون الإضرار بالمستخدمين أو الزائرين من خارج البلاد، ولجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تتابع الملف باهتمام شديد، كما ان اللجنة تابعت جميع طلبات الإحاطة المقدمة حول هذا الملف.
حماية للصناعة أم جباية من المواطنين؟
النائب فريدي البياضي، عبر عن اعتراضه على قرار فرض رسوم وضرائب على الهواتف المحمولة الشخصية الواردة بصحبة المسافرين من الخارج، وإلغاء الإعفاء الذي كان معمولًا به لهاتف واحد للاستخدام الشخصي. واصفًا القرار بأنه "عقابي وغير مبرر"، مؤكدًا أنه يتناقض مع التصريحات الحكومية التي أعلنت أن الهدف من القرار هو مكافحة تهريب شحنات الهواتف التجارية وحماية التصنيع المحلي.
وقال إن التطبيق العملي للقرار كشف أن المستهدف الحقيقي لم يكن شبكات التهريب المنظمة أو كبار التجار، وإنما المواطن العادي الذي يحمل هاتفه الشخصي للاستخدام الخاص، ليُحوَّل الهاتف إلى وعاء ضريبي جديد يُستنزف من خلاله دخل المواطنين دون مبرر موضوعي.
وأضاف أن الحكومة أقرت بأن المشكلة الأساسية هي تهريب شحنات تجارية، لكن بدلًا من مواجهة المهربين وإغلاق ثغرات المنافذ، قررت تحميل المواطن تكلفة فشلها الرقابي.
ارتفاع الأسعار السوق المحلي
وأشار البياضي إلى أن الرسوم المفروضة على الهاتف الشخصي تصل إلى نحو 38% من قيمة الجهاز، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الهواتف في السوق المحلي، محذرًا من أن القرار لا يسهم في تنظيم السوق بقدر ما يوسع دائرة الغلاء ويضرب القدرة الشرائية للمواطنين.
كما انتقد النائب بشدة قرار إيقاف تشغيل الهاتف بعد 90 يومًا حتى في حال مغادرة صاحبه البلاد وعودته لاحقًا بنفس الجهاز، معتبرًا أن ذلك يُعد سابقة غير معمول بها في أي دولة تحترم حقوق مواطنيها.
وحول الآثار السلبية للقرار على المصريين بالخارج، قال النائب: إنهم تفاجئوا برسوم مبالغ فيها أو بتعطيل هواتفهم فور دخولهم البلاد، رغم كونهم من أهم مصادر العملة الصعبة للدولة.
وكشف النائب عن أن الحكومة أعلنت تحقيق حصيلة تُقدَّر بنحو 10 مليارات جنيه منذ بداية 2025 من تطبيق هذه المنظومة، متساءلًا: هل جاءت هذه الحصيلة من مواجهة التهريب التجاري فعلًا، أم من جيوب المواطنين الذين يحملون هواتفهم الشخصية؟.
وأكد أن معالجة أي خلل إداري أو رقابي في مواجهة التهريب لا يجب أن تتم عبر فرض أعباء مالية جديدة على المواطنين، بل من خلال سد ثغرات المنظومة الرقابية ومحاسبة المتورطين. كما أن الهاتف المحمول لم يعد سلعة رفاهية، بل ضرورة حياة، ولا يجوز تحويله إلى أداة جباية جديدة.
تداعيات وآثار القرار على الاقتصاد
النائب عبدالمنعم إمام، قال إنه منذ صدور القرار شهدت منصات التواصل والجروبات التي تجمع أبناءنا بالخارج ردود فعل غاضبة، عكست استياءً واسعًا من القرار، لما يمسه من شريحة كبيرة من المصريين نحن في أمسّ الحاجة لدعمهم.
يأتي ذلك في وقت أعلنت فيه الحكومة أن تحويلات المصريين بالخارج ارتفعت خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 بنسبة 42.5% لتسجل 37.5 مليار دولار، وأشاد رئيس الوزراء بدورهم الوطني.
وقال النائب مستنكرًا: بدلًا من مكافأة المصريين بالخارج بمزيد من الحوافز والتسهيلات –كالإسراع في مشروعات الإسكان الخاصة بهم وتقديم مزايا لمن يواظب على التحويلات– جاء إنهاء الإعفاء الاستثنائي كرسالة سلبية تمس الثقة المتبادلة، فالقرار ساوى بين المغترب الذي يتحمل مشقة الغربة، وبين السائح العابر، دون مراعاة للفروق الاجتماعية والاقتصادية.
وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، يبلغ عدد المصريين بالخارج 11.8 مليونًا عام 2022، بينما قدرتهم وزارة الهجرة بنحو 14 مليونًا، يتركز أكثر من 60% منهم في دول الخليج. كما يمثل المصريون بالخارج أحد أهم مصادر الدخل القومي، وسندًا حقيقيًا للدولة وقت الأزمات، وليسوا وسيلة جباية بقرارات غير مدروسة.
وتساءل النائب: هل توطين صناعة المحمول سيتحقق بمنع المغترب من إدخال هاتفين أو ثلاثة لأسرته؟ وهل هذا هو رد الجميل المستحق لهم؟ فمصر تحتل المرتبة السادسة عالميًا في تلقي التحويلات وفق البنك الدولي، وهذه التحويلات تدعم الاقتصاد، وتقلل الاقتراض الخارجي، وتعزز الاستقرار المالي.
كما تساءل النائب: هل أُجريت دراسات وافية حول آثار القرار على الاقتصاد والمصريين بالخارج؟ وما حقيقة عدم التنسيق مع وزارة الخارجية وعدم الأخذ بتوصياتها؟ وكم عدد الشركات الجديدة التي دخلت السوق؟ وما حجم استثماراتها والعائد منها على خزانة الدولة؟ وهل ستلبي هذه الشركات احتياجات المواطنين في هواتف مثل آيفون وسامسونج؟ وما دور وزارة الاتصالات في إعداد هذا القرار، ومدى تأثيره على سوق الاتصالات وتوطين صناعة المحمول في مصر؟