من الشعارات إلى الاصطدام بالواقع.. أزمة ترحيل المهاجرين في ولاية ترامب الثانية
سلّطت مجلة «ذا أتلانتيك» الأمريكية الضوء على الفجوة المتسعة بين الطموحات المعلنة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملف ترحيل المهاجرين، وبين الأرقام الفعلية على الأرض، مؤكدة أن الواقع العملي سرعان ما بدد الأحلام التي رُفعت إلى سقف غير مسبوق مع بداية الولاية الثانية لترامب.
مليون مهاجر سنويًا
بحسب المجلة، تحدث البيت الأبيض في مطلع الولاية الثانية عن خطة لترحيل مليون مهاجر سنويًا، أي ما يعادل اعتقال نحو 3 آلاف شخص يوميًا، وهو ما استلزم – نظريًا – توظيف 10 آلاف ضابط جديد في وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) بحلول يناير 2026.
وترى «ذا أتلانتيك» أن هذه الأرقام لم تكن مجرد خطط إدارية، بل جزء من خطاب سياسي صاخب اعتمده ترامب لإظهار الحزم والصرامة في ملف شكّل أحد أعمدة حملاته الانتخابية المتعاقبة.
توسع قياسي في التوظيف
في إطار تنفيذ هذه الوعود، أطلقت وزارة الأمن الداخلي حملة تجنيد غير مسبوقة، شملت معارض توظيف في عدد من المدن الأمريكية، وحوافز مالية ضخمة، من بينها مكافآت وصلت إلى 50 ألف دولار، إضافة إلى إعفاءات من قروض الطلاب.
ووفق تقرير المجلة، تلقت الوكالة أكثر من 220 ألف طلب توظيف خلال أربعة أشهر، واحتفلت بتعيين 12 ألف عنصر جديد، في أسرع توسع تشهده أي وكالة فيدرالية أمريكية. غير أن هذا الإنجاز العددي سرعان ما اصطدم بتحديات ميدانية حادة.
معايير مخففة وتدريب مختصر يثير الجدل
كشفت صحيفة «الإندبندنت» أن نسبة كبيرة من المجندين الجدد فشلت في اجتياز اختبارات اللياقة البدنية الأساسية، ما دفع الإدارة إلى خفض معايير القبول وتقليص فترات التدريب، وسط انتقادات واسعة.
وانتشرت شائعات عن تقليص التدريب إلى 47 يومًا في إشارة رمزية إلى كون ترامب الرئيس السابع والأربعين، وهو ما نفته وزارة الأمن الداخلي، مؤكدة أن التدريب لا يقل عن ثمانية أسابيع. إلا أن منظمات حقوقية حذرت من أن التوسع السريع دون إعداد كافٍ يفتح الباب أمام تجاوزات خطيرة.
حوادث عنف ومخاوف من "شرطة سرية"
هذه المخاوف لم تبقَ نظرية، إذ شهدت مدن مثل مينيابوليس عمليات اعتقال عنيفة استخدمت فيها قوات الهجرة الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، وأسفرت عن مقتل مواطنة أمريكية، ما فجّر موجة احتجاجات واسعة.
وعززت هذه الوقائع المخاوف من تحول وكالة الهجرة إلى كيان أشبه بـ«شرطة سرية» تعمل خارج الضوابط القانونية، في ظل توسع سريع وضعيف الرقابة.
الهجرة في التاريخ الأمريكي
تضع المجلة هذه التطورات في سياق تاريخي أوسع؛ ففي عهد جورج بوش الابن طغت المقاربة الأمنية بعد هجمات 11 سبتمبر، بينما حاول باراك أوباما الموازنة بين تشديد الرقابة ومنح فرص لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين. أما ترامب، فاختار نهجًا يقوم على الأرقام الضخمة والشعارات الصدامية، متجاهلًا التعقيدات القانونية والإنسانية التي تجعل من تنفيذ هذه الأهداف مسألة شبه مستحيلة.
مقاربات أوروبية مختلفة
وعقدت المجلة مقارنات مع التجارب الأوروبية، مشيرة إلى أن ألمانيا واجهت أزمة اللاجئين عام 2015 عبر برامج دمج وتدريب، بينما ركزت بريطانيا على تشديد الرقابة الحدودية دون توسع مفرط في الأجهزة الأمنية. وتخلص هذه التجارب إلى أن إدارة ملف الهجرة لا تقاس بالأرقام وحدها، بل بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين الأمن والحقوق الإنسانية.
انعكاسات اقتصادية مقلقة
اقتصاديًا، حذر خبراء من أن التوسع في ترحيل المهاجرين قد يضر بسوق العمل الأمريكي، خاصة في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على العمالة المهاجرة مثل الزراعة والبناء والخدمات.
وأشارت فاينانشال تايمز إلى أن ترحيل أعداد كبيرة من العمال قد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج ونقص الأيدي العاملة، بما ينعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي.
أما على الصعيد الإعلامي، فرجحت واشنطن بوست أن الأرقام الضخمة التي يعلنها ترامب تُستخدم أساسًا كأداة سياسية لتعبئة القاعدة الانتخابية، حتى لو لم تتحقق فعليًا، إذ يكفي – سياسيًا – ترسيخ صورة رئيس “صارم” و“حازم” بغض النظر عن النتائج الواقعية.
تداعيات مستقبلية
إداريًا: قد يقود التوسع غير المنضبط إلى فوضى داخل وكالة الهجرة، مع ارتفاع معدلات الاستقالات بين عناصر غير مؤهلة.
حقوقيًا: استمرار الانتهاكات ينذر بموجة دعاوى قضائية وضغوط متزايدة على الإدارة الأمريكية.
سياسيًا: إخفاق تحقيق الأهداف المعلنة قد يضعف مصداقية ترامب أمام قاعدته الانتخابية، التي ترى في ملف الهجرة حجر الزاوية في مشروعه السياسي.