< بعد جرينلاند.. هل تثير جزيرة تشاجوس خلافات جديدة بين لندن وواشنطن؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

بعد جرينلاند.. هل تثير جزيرة تشاجوس خلافات جديدة بين لندن وواشنطن؟

الرئيس نيوز

اشتعل الخلاف مجددا بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بشأن جزيرة تشاغوس في المحيط الهندي، التي تنوي لندن التخلي عنها لصالح موريشيوس بعد عقود من النزاع القانوني والدبلوماسي.

 الرئيس الأمريكي ترامب وصف الصفقة بأنها "الفعل الغبي"، محذرا من أن المضي بها قد يضر بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية في المحيط الهندي، بينما تصر حكومة كير ستارمر على تنفيذ الاتفاق رغم المعارضة البرلمانية ومطالب مجلس اللوردات بإعادة النظر في بنوده.

وتتزامن الأزمة مع توترات ناشئة بين واشنطن ولندن بشأن غرينلاند، ما أعاد إشعال النقاش حول الترتيبات الاستراتيجية السابقة بين الدولتين وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

تاريخيا، تعود قضية تشاجوس إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما طالبت بورت لويس بمحاكم دولية لاستعادة جزيرتها التي اقتطعتها بريطانيا قبل استقلال موريشيوس عام 1968. وفي عام 2019، أصدرت محكمة العدل الدولية نصيحة غير ملزمة تدعو لندن إلى إنهاء السيطرة على الجزيرة. 

وعلى الرغم من عدم إلزامية النصيحة، بدأت لندن مفاوضات طويلة مع بورت لويس انتهت باتفاق لتسليم الأرخبيل مقابل استئجار القاعدة العسكرية دييجو لمدة 99 عامًا مقابل 3.4 مليار جنيه إسترليني، وهو الاتفاق الذي أثار جدلا داخليا واسعا حول كلفته الحقيقية مقابل التضخم والمصاريف المستقبلية، حيث تشير تقديرات المعارضة إلى أن التكلفة قد تصل إلى 34 مليار جنيه استرليني.

 شهدت المفاوضات بين لندن وواشنطن تطورات متشابكة، إذ بدأت إدارة ترامب بالترحيب بالاتفاق في بداية ولايته عام 2025، بعد أن زار ستارمر واشنطن في فبراير، موضحا أبعاد الصفقة والضمانات الأمنية المتبادلة. 

ومع ذلك، أدى تصعيد الخلافات بشأن جرينلاند إلى إحياء المعارضة البريطانية للصفقة، التي اعتبرت أن التخلي عن تشاجوس يفتح الباب أمام نفوذ محتمل للصين وروسيا في المنطقة. 

وكانت زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادينوك، قد أكدت في لقاء مع رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون أن الاتفاقية غير مناسبة، مشيرة إلى مخاطر محتملة للتوسع الصيني والروسي في المحيط الهندي، وفقا لصحيفة التايمز البريطانية.

إضافة إلى ذلك، أثارت قضية تشاجوس استثمارا سياسيا داخليا، إذ استفادت المعارضة البريطانية من التوتر مع واشنطن لتحريك صفقة لم توافق عليها، أو على الأقل بشروط لم يرض عنها حزب العمال. 

وأبرزت المعارضة أن الأموال التي ستدفع لموريشيوس كان من الأفضل توظيفها لتطوير الجيش البريطاني الذي يعاني من عجز في الميزانية وتراجع القدرات، بالإضافة إلى المخاطر الاستراتيجية المرتبطة بالموقع الجغرافي للجزيرة والقاعدة العسكرية فيها.

وتحذر التحليلات العسكرية الغربية من أن موقع قاعدة دييغو البعيد يجعل مراقبتها صعبة للغاية إلا من الفضاء، وأن فتح موريشيوس لمياه الأرخبيل للصيد التجاري قد يسمح للأساطيل الأجنبية بالاقتراب من القاعدة، خصوصا الأسطول الصيني الذي يستخدم كغطاء لأنشطة عسكرية استخباراتية. 

ووفقا لخبراء المعهد الملكي للخدمات المتحدة، فإن أي تهاون في الاتفاق قد يمنح بكين فرصة لاختبار قدرة بريطانيا والولايات المتحدة على حماية المصالح العسكرية في المحيط الهندي.

وأثرت القضية أيضا على المفاوضات التجارية بين الولايات المتحدة وبريطانيا، إذ علقت الإدارة الأمريكية بعض المحادثات ردا على التوترات حول جرينلاند، في حين ربطت المعارضة البريطانية أزمة تشاجوس بالعجز في التوازنات المالية للاتفاقية، واشترطت إجراء استفتاء لسكان الجزيرة قبل أي تنفيذ فعلي. 

وأقر برلمان المملكة المتحدة سابقا بالاتفاق، لكن مجلس اللوردات أعاد فتح النقاش مطالبا بتعديل البنود لتأكيد موافقة السكان المحليين، وهو ما يعقد موقف حكومة ستارمر ويعيد الأزمة إلى الواجهة، وفقا لصحيفة الجارديان البريطانية.

وتمثل أزمة تشاجوس اختبارا حساسا للعلاقات البريطانية – الأمريكية، إذ تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية، والقوانين الدولية، والسياسة الداخلية، والمخاطر الجيوسياسية. 

كل هذه العناصر تجعل الصفقة أكثر من مجرد انتقال أرخبيل من دولة إلى أخرى؛ فهي مؤشر على مدى هشاشة التحالفات التقليدية أمام الصراعات الإقليمية والتنافس الدولي، كما أنها تضع لندن وواشنطن أمام اختبار حقيقي لمدى تنسيق السياسات الدفاعية والاقتصادية في المحيط الهندي.