تقلبات سياسات ترامب تلقي بظلال من الشك على مستقبل الاقتصاد العالمي والدولار الأمريكي
في مقال تحليلي بعنوان "هل توجد حياة بعد الدولار الأمريكي؟"، ذكرت صحيفة تايبيه تايمز أن عالم اليوم أصبح يشهد فترة من الارتباك الاقتصادي والسياسي بسبب سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب غير المستقرة، والتي تشمل الهجمات المتكررة على رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، والتهديدات المباشرة لإيران، وحتى اقتراحه التدخل في جرينلاند، فضلا عن اختطاف الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو.
وأضافت الصحيفة أن هذه السياسات لم تؤثر فقط على العلاقات الدولية، بل طرحت تساؤلات جدية حول مستقبل النظام المالي العالمي القائم على هيمنة الدولار الأمريكي.
ويستند استقرار النظام المالي العالمي منذ الحرب العالمية الثانية جزئيا إلى دور الدولار كعملة احتياطية عالمية، رغم التفاوت البنيوي في علاقته بعجز الحساب الجاري الأمريكي. فلتوفير سيولة الدولار للعالم، تضطر الولايات المتحدة إلى استيراد أكثر مما تصدر، بينما تصدر سندات مالية تقبلها الحكومات والمستثمرون الأجانب كأصول احتياطية. هذا الوضع أبقى تكلفة الاقتراض الأمريكية منخفضة، ما سمح للحكومة الفيدرالية بتوسيع مجال الإنفاق المالي مدعومة بالمدخرات الأجنبية، وفقا للصحيفة التايوانية.
وأشار العديد من الخبراء، مثل محافظ بنك الشعب الصيني السابق تشو شياوشوان، إلى أن الاستقرار النقدي العالمي يعتمد على سياسات الدولة المصدرة للعملة، والتي غالبًا ما تتأثر بأولوياتها الداخلية. كما أن سياسات ترامب "أمريكا أولا" كشفت ما يمكن أن يحدث عندما تتعارض المصالح الوطنية مع مصالح الاقتصاد العالمي.
وأشارت الصحيفة إلى أن الصين، على سبيل المثال، بدأت منذ 2009 العمل على تعزيز دور اليوان دوليًا لتقليل الاعتماد على الدولار، وهو توجه استراتيجي يفسر الانخفاض الملحوظ في حيازتها من الدين الأمريكي من نحو 1.3 تريليون دولار في 2015 إلى حوالي 700 مليار دولار اليوم. الهدف من ذلك هو حماية الاقتصاد الصيني من التقلبات المالية الأمريكية وتعزيز القدرة على الدفع والاستثمار عبر عملة مستقلة.
ورغم جهود الدول الكبرى لتحقيق نظام متعدد العملات، فإن التوترات الجيوسياسية الحالية تعرقل هذه المبادرات، مما يزيد من مخاطر الاعتماد على الدولار الأمريكي في ظل سياسات ترامب المتقلبة. ومع غياب آليات تنسيق قوية، فإن المنافسة بين العملات يمكن أن تؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار والتجزئة المالية.
ويبقى الطريق نحو نظام مالي عالمي لا يعتمد على عملة واحدة واضحًا، لكنه يتطلب تنسيقا دوليا صلبا، وإلا فإن الاقتصاد العالمي سيظل عرضة للتقلبات والمخاطر المستمرة. الولايات المتحدة، بوصفها المساهم الأكبر في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، مطالبة بدور قيادي، لكن سياسات ترامب قد تحول مجموعة العشرين إلى منصة للسياسات الانتقائية والصراع بدلًا من التعاون متعدد الأطراف.
ورغم النفوذ الكبير للدولار الأمريكي، فإن تركيز السلطة الاقتصادية في يد جهة واحدة يمثل نقطة ضعف بحد ذاته، ويجعل الاستقرار العالمي رهينة لسياسات الولايات المتحدة الداخلية، مما يفتح المجال لتحديات خطيرة على الاقتصاد العالمي إذا استمرت السياسات الأمريكية غير المستقرة على هذا النحو الراهن.