ما هي محددات القاهرة لقبول الوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة؟
بينما تعرض أمريكا وساطتها على القاهرة للوصول إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي الذي تبنبه أديس أبابا على مياه النيل الأزرق وترفض إبرام اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد مع دولتي المصب، جدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب استنكاره الشديد بشأن الدور الذي لعبته بلاده في تمويل السد الذي يمنع التدفق السلس لمياه النيل نحو مصر والسودان.
وانهارت المفاوضات المتعلقة بالسد بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى؛ بسبب تعنت الأخيرة، وكان من بين جولات التفاوض الفاشلة، جولة رعتها أمريكا، وعند الوصول إلى النقطة النهائية منه انسحبت أديس أبابا وقالت إنها بحاجة إلى مزيد من النقاشات بشأن الاتفاق مع مصر والسودان حول ملء وتشغيل السد، في حين وقعت مصر على الاتفاق.
وتؤكد القاهرة أن مياه النيل خط أحمر بالنسبة لها لا يمكن المساس به بأي حال من الأحوال، وإلا ستشهد منطقة القرن الأفريقي حالة غير مسبوقة من الفوضى والاضطرابات. ومنذ ذلك الحين وعززت مصر من وجودها العسكري في القرن الأفريقي عبر اتفاقات عسكرية مع الصومال وجيبوتي وإريتريا.
ومن المؤكد أن ملف سد النهضة سيكون حاضرا خلال مباحثات الرئيسين عبد الفتاح السيسي والأمريكي دونالد ترامب اليوم الأربعاء، اليوم الأربعاء في دافوس، ولم تعلن القاهرة رسميا حتى الآن قبول الوساطة مجددا، لكن من المرجح أن تقبل القاهرة بالأمر، لكن شريطة الاستكمال على ما تم التوصل إليه مؤخرا خلال الجولات السابقة من الوساطة الأميركية، وليس البدء في جولات تفاوض وبحث جديدة كجزء من سياسة استنزاف الوقت.
ويأتي العرض الأمريكي بعد 6 سنوات من مبادرة أميركية كادت أن تُنهي الخلاف المستمر بين دولتي منبع ومصب نهر النيل.ةوفي رسالة وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، الجمعة، عرضت واشنطن استئناف الوساطة الأميركية مع إثيوبيا من أجل حل مشكلة "سد النهضة”، وشدد ترامب على ضرورة ألا تنفرد أي دولة بالسيطرة على مياه نهر النيل.
وأضاف ترامب: "أدرك أنا وفريقي الأهمية الكبيرة لنهر النيل لمصر وشعبها، وأريد مساعدتكم في التوصل إلى نتيجة تضمن احتياجات مصر والسودان وإثيوبيا من المياه على المدى الطويل". وشهدت الولاية الأولى لترامب انخراطًا مباشرًا في جهود الوساطة بين مصر التي تؤكد أن أمنها المائي "قضية وجودية”.
وأعرب الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي من المقرر أن يلتقي ترامب اليوم الأربعاء على هامش اجتماعات دافوس، عن ترحيبه برسالة الرئيس الأميركي دونالد ترامب والتي عرض فيها الوساطة مع إثيوبيا بشأن السد الإثيوبي.
ودخلت الولايات المتحدة رسميًا على خط مفاوضات سد النهضة في 6 نوفمبر 2019، عبر اجتماع في واشنطن استضافته وزارة الخزانة الأميركية، وشارك فيه وزراء خارجية مصر وإثيوبيا والسودان، بحضور البنك الدولي. وخرج الاجتماع بـ"خريطة طريق" محددة.
ووضعت الأطراف منذ البداية، سقفًا زمنيًا للمسار التفاوضي؛ إذ نص البيان المشترك على عقد أربع جولات فنية على مستوى وزراء المياه، يتبعها اجتماعات في واشنطن، بهدف التوصل إلى اتفاق بشأن قواعد ملء وتشغيل السد بحلول 15 يناير 2020، في محاولة لدفع المفاوضات المتعثرة نحو حسم سريع تحت إشراف الولايات المتحدة، والبنك الدولي بصفتهما مراقبين.
لماذا بدأت الوساطة الأميركية؟
بحسب موقع الشرق بلومبيرج، جاء التدخل الأميركي في لحظة كانت فيها المفاوضات الثلاثية قد استنزفت وقتًا طويلًا دون اتفاق نهائي على "قواعد الملء والتشغيل"، بينما كان السد يقترب من مراحل تشغيلية حساسة. وسعت واشنطن إلى إعادة ضبط الإيقاع، عبر مسار بجدول زمني وضغط سياسي مباشر، وهو ما عكسه لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ولايته الأولى، بوزراء خارجية الدول الثلاث في اليوم نفسه في البيت الأبيض، في إشارة إلى أن الملف أٌعطي وزنًا سياسيًا عاليًا. لولا التعنت الإثيوبي ورفض التوقيع على الاتفاق الذي تم التوصل إليه وقتذاك.
مسؤولون قادوا مسار الوساطة
من اللافت أن منصة الوساطة لم تُدار عبر الخارجية الأميركية، بل عبر وزارة الخزانة. وفي قلب هذا المسار برزت ثلاثة أسماء قيادية:
وزير الخزانة الأميركي، ستيفن منوشين. استضاف الاجتماعات ووقّع بياناتها الرسمية باسم الوزارة.
رئيس البنك الدولي، ديفيد مالباس. شارك بصفة مراقب إلى جانب وزارة الخزانة، وارتبط اسمه بجولات التفاوض في واشنطن في يناير وفبراير 2020.
الرئيس دونالد ترامب. منح العملية غطاءً سياسيًا عالي المستوى منذ انطلاقتها، بلقائه وزراء الخارجية الثلاث في البيت الأبيض.
ووفق تقرير الشرق فإن جولة التفاوض التي جرت في الفترة بين 28 و31 يناير 2020 في واشنطن، كانت من أثقل جولات التفاوض خلال مسار الوساطة الأميركية، ليس فقط لطول المدة الزمنية، إذ استمرت لأربعة أيام، بل لأنها جمعت وزراء الخارجية والموارد المائية من مصر وإثيوبيا والسودان مع وفودهم في اجتماعات مكثفة، بحضور وزير الخزانة الأميركية ورئيس البنك الدولي بصفتهما "مراقبين" لمسار التفاوض.
وفي ختام الجولة، أعلن بيان مشترك، توصل الأطراف، إلى تفاهمات في ثلاث حزم حساسة، شملت "جدولًا مرحليًا" لملء السد، وآلية للتوافق أثناء الملء في حالات الجفاف، والجفاف الممتد، وفترات السنوات الجافة الطويلة، وآلية للتوافق بشأن التشغيل السنوي وطويل الأمد للسد في الظروف نفسها.
كما أشار البيان آنذاك، إلى أن الوزراء ناقشوا واتفقوا على "استكمال عناصر أخرى بقيت قيد الصياغة"، بينها آلية التشغيل في الظروف الهيدرولوجية "العادية"، وآلية للتنسيق، وبنود لتسوية النزاعات وتبادل المعلومات، إضافة إلى التوافق على معالجة سلامة السد والدراسات العالقة بشأن الآثار البيئية والاجتماعية.
وانتهت الجولة بتكليف الفرق الفنية والقانونية بإعداد نص "الاتفاق النهائي" متضمنًا ما تم التوافق عليه، تمهيدًا لتوقيعه من الدول الثلاث بحلول نهاية فبراير 2020، وهو ما جعل هذه الجولة تبدو كأنها "المنعطف قبل الأخير" قبيل الاتفاق.
وبعد أسابيع من جولة يناير 2020، كان من المتوقع أن تُوقع الدول الثلاث على الصيغة النهائية في واشنطن في أواخر فبراير 2020، لكن إثيوبيا تغيبت عن الاجتماع الختامي، بينما قامت مصر بالتوقيع بالأحرف الأولى على مسودة الاتفاق، التي جرى إعدادها برعاية وزارة الخزانة الأميركية، وبمدخلات فنية من البنك الدولي. وقالت إثيوبيا حينها، إنها بحاجة إلى مزيد من المشاورات الداخلية قبل التوقيع.
في اليومين الأخيرين من مسار واشنطن، حاول وزير الخزانة الأميركي السابق، ستيفن منوشين، إنقاذ المسار عبر قناة ثنائية؛ بعد أن طلبت إثيوبيا تأجيل الجولة التي كانت تُوصف بأنها الجولة النهائية.
وبحسب بيان وزارة الخزانة الصادر في 28 فبراير 2020، شارك منوشين خلال 27 و28 فبراير 2020، في اجتماعات ثنائية منفصلة في واشنطن مع وزيري الخارجية ووزيري الموارد المائية في مصر والسودان، في وقت كانت فيه الدول الثلاث تتوقع أن تُتوج المحادثات بتوقيع اتفاق حول قواعد ملء وتشغيل السد.
عكست هذه الاجتماعات الثنائية، محاولة أميركية للحفاظ على المسار حيًا "حتى في غياب الطرف الثالث"، عبر تثبيت ما اعتبرته واشنطن نقاطاَ تم التوافق عليها بالفعل، وبحث البنود المتبقية، وإبقاء الرسالة السياسية بأن الولايات المتحدة ستظل "منخرطة" إلى حين توقيع اتفاق.
وفي السياق نفسه، جاءت صياغة وزارة الخزانة لتشير بوضوح إلى أن الاختبارات النهائية للسد وبدء الملء "لا ينبغي أن يمضيا دون اتفاق"، وهو موقف قرأته أديس أبابا لاحقًا بوصفه جزءًا من ضغط سياسي متصاعد رافق الأيام الأخيرة للمفاوضات.