تصعيد غير مسبوق عبر الأطلسي.. ما هي «البازوكا التجارية» التي تهدد بها أوروبا ترامب؟
دخلت العلاقات الأوروبية–الأمريكية مرحلة غير مسبوقة من التوتر، مع شروع الاتحاد الأوروبي في إعداد ما يُعرف بـ«البازوكا التجارية»، وهي أداة ردع اقتصادية شديدة الحساسية، ردًا على تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض تعريفات جمركية واسعة على دول أوروبية، على خلفية ملف جرينلاند.
ويعكس هذا التحرك، الذي تقوده فرنسا ويحظى بدعم ألماني علني متزايد، تحولًا نوعيًا في مقاربة بروكسل للضغوط الأمريكية، من سياسة الاحتواء والتهدئة إلى منطق الردع الاستباقي.
فقد أكد وزير المالية الألماني ونائب المستشار لارس كلينجبايل أن الاتحاد الأوروبي «لا يمكن أن يظل رهينة للابتزاز الاقتصادي»، مشددًا على امتلاك بروكسل أدوات قانونية قاسية وجاهزة للاستخدام إذا مضت واشنطن في مسار التصعيد.
هذا الاصطفاف الفرنسي–الألماني يضع أوروبا أمام اختبار حاسم: إما الدفاع عن سيادتها التجارية، أو القبول بسابقة قد تعيد تشكيل ميزان القوى الاقتصادية بين ضفتي الأطلسي، وفقًا لموقع «بوليتيكو».
من الاحتواء إلى الردع: لماذا تغيّر الموقف الأوروبي؟
تقليديًا، عُرفت ألمانيا، بوصفها القاطرة الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، بحذرها الشديد إزاء أي خطوات تصعيدية قد تهدد صادراتها أو تعمّق أزمتها الصناعية. غير أن تصريحات كلينجبايل تعكس تحولًا لافتًا داخل برلين، لا سيما في أوساط الاشتراكيين الديمقراطيين، الذين باتوا يرون أن سياسة التنازلات أمام إدارة ترامب لم تُفضِ إلا إلى مزيد من الضغوط.
فملف جرينلاند، الذي يربطه ترامب علنًا بالسيادة الأمريكية وبفرض الرسوم الجمركية، تجاوز كونه خلافًا تجاريًا، ليصبح مسألة كرامة سياسية وسيادة أوروبية، خاصة أن الجزيرة الدنماركية تُعد جزءًا من المنظومة الأوروبية الأوسع.
وفي هذا السياق، يكتسب الموقف الفرنسي ثقله، إذ ترى باريس أن أي تهاون أوروبي قد يشجع واشنطن على استخدام التجارة كسلاح سياسي في ملفات أخرى.
ما هي «البازوكا التجارية» الأوروبية؟
الأداة التي يلوّح بها الاتحاد الأوروبي تُعرف رسميًا باسم «آلية مكافحة الإكراه الاقتصادي»، وهي تشريع أُقر عام 2023، من دون أن يُستخدم حتى الآن. وتُوصف هذه الآلية بأنها «الخيار النووي» في الترسانة التجارية الأوروبية، إذ تتيح لبروكسل فرض قيود واسعة على الواردات والصادرات، واستهداف قطاعات خدمية حساسة، بل وحرمان شركات أجنبية من الوصول إلى عقود المشتريات العامة داخل السوق الأوروبية التي تضم نحو 450 مليون مستهلك.
وتكمن خطورة هذه الأداة في أنها لا تستهدف السلع فقط، بل قد تمتد إلى شركات التكنولوجيا والخدمات الأمريكية، وهي نقطة ضعف بارزة لواشنطن في ميزانها التجاري مع أوروبا، ما يجعل التهديد بتفعيلها رسالة سياسية بحد ذاته، حتى قبل اتخاذ أي إجراء فعلي، بحسب «فرانس 24».
أعاد ترامب ملف جرينلاند إلى الواجهة بطريقة صادمة للأوروبيين، عندما ربط صراحة بين فرض رسوم جمركية قد تصل إلى 25% وبين التنازل عن الجزيرة، في خطاب اعتبرته العواصم الأوروبية تجاوزًا صارخًا للأعراف الدبلوماسية.
وبالنسبة للاتحاد الأوروبي، لا يتعلق الأمر فقط بجزيرة غنية بالمعادن وتتمتع بموقع استراتيجي في القطب الشمالي، بل بسابقة خطيرة تمس مفهوم السيادة ذاته. فقبول منطق المقايضة الاقتصادية على الأراضي قد يفتح الباب أمام ضغوط مماثلة في مناطق أخرى، وهو ما يفسر تصاعد اللهجة الحادة في بروكسل وباريس وبرلين.
انقسام أوروبي أم اصطفاف جديد؟
على الرغم من الزخم الفرنسي–الألماني، لا يزال الاتحاد الأوروبي يشهد تباينًا في المواقف. فبعض الدول، وعلى رأسها بريطانيا والنرويج، تميل إلى التريث وتجنب التصعيد، خشية الانزلاق إلى حرب تجارية شاملة مع واشنطن. في المقابل، ترى دول أخرى أن إظهار الحزم في هذه المرحلة قد يمنع تصعيدًا أكبر في المستقبل.
وتتجه الأنظار إلى موقف المستشار الألماني فريدريش ميرتس، المعروف ببراجماتيته تجاه الولايات المتحدة، والذي قد يشكل موقفه عامل ترجيح داخل المعادلة الأوروبية.
ما وراء التجارة: أزمة ثقة وتغيير قواعد اللعبة
تكشف هذه الأزمة عن صدع أعمق في العلاقات الأوروبية–الأمريكية، يتجاوز ملف الرسوم الجمركية. فتصاعد الخطاب الأمريكي القائم على فرض الشروط بالقوة الاقتصادية يعزز داخل أوروبا تيارًا يدعو إلى الاستقلال الاستراتيجي وتقليص الاعتماد على واشنطن، ليس فقط في التجارة، بل في مجالات التكنولوجيا والدفاع والطاقة.
وفي هذا السياق، تبدو «البازوكا التجارية» أكثر من مجرد أداة ردع اقتصادي؛ إنها تعبير عن تحول ذهني في رؤية أوروبا لمكانتها في النظام الدولي، حيث تتغير قواعد اللعب العالمية، وتتحول التجارة من أداة تكامل إلى سلاح جيوسياسي في صراع النفوذ والمصالح.
ويقف الاتحاد الأوروبي اليوم عند مفترق طرق: إما الاكتفاء بالتهديد وإرسال رسالة ردع سياسية، أو الانتقال فعليًا إلى استخدام أدوات لم تُختبر من قبل في مواجهة أقرب حلفائه.
وفي الحالتين، فإن ما يجري حول جرينلاند قد يشكل نقطة انعطاف في تاريخ العلاقات عبر الأطلسي، ويمهد لمرحلة أقل ودية وأكثر صراحة في صراع المصالح بين بروكسل وواشنطن.