الذكاء الاصطناعي يغير خريطة الطلب على الكهرباء بحلول 2035.. هل الطاقة النووية الحل؟
دفعت استخدامات تطبيقات الذكاء الاصطناعي العالم نحو مشارف أزمة فعلية في الكهرباء، في وقت يعاني فيه العالم من أزمة طاقة، وسط تهديدات مستمرة لتقليص الإنتاج وارتفاع الأسعار إلى مستويات تؤثر على ميزانيات الكثير من الدول، وفقًا لتقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة.
وقال التقرير: إن شبكات الكهرباء في جميع أنحاء العالم تعمل حاليًا تحت ضغط مذهل لتلبية الاحتياجات الفعلية، ولكن هذا يلقي بظلاله على التغير المناخي ويجهض جهود المنظمات الدولية للحد من أزمة المناخ.
الأرقام تكشف عمق الأزمة
وأشار التقرير إلى أنه بحلول عام 2035، من المتوقع أن تتضاعف الأزمة، إذ قد يتسبب الإفراط في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في زيادة استهلاك الكهرباء بأكثر من 10 آلاف تيراوات/ساعة، وهو ما يعادل إجمالي الاستهلاك الحالي لجميع الاقتصادات المتقدمة، أي أننا سنكون في حاجة إلى ضعف الطاقة الكهربائية المنتجة عالميًا. ويعادل استهلاك الكهرباء لمركز بيانات متوسط الحجم استهلاك 100 ألف منزل.
التوسع في إنتاج الكهرباء من الطاقة النووية بارقة أمل
وفق تقرير الأمم المتحدة، "على الجميع اللجوء للطاقة النظيفة، فإنتاج الكهرباء من الطاقة النووية قد يشكل أملًا في تعزيز إنتاج الكهرباء لمجابهة الطلب العالمي المتزايد، وفي الوقت نفسه تنحسر آثار زيادة الاستهلاك على المناخ".
ووفق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، زاد الطلب من مراكز البيانات بأكثر من ثلاثة أرباع بين عامي 2023 و2024، ومن المتوقع أن يمثل أكثر من 20% من نمو الطلب على الكهرباء في الاقتصادات المتقدمة بحلول عام 2030.
وفي الولايات المتحدة، حيث يقع مقر العديد من شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة، من المتوقع أن يتجاوز استهلاك الطاقة لمعالجة البيانات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي الاستهلاك المشترك للكهرباء في إنتاج الألومنيوم والصلب والأسمنت والكيماويات مجتمعة بحلول نهاية العقد.
وفي ديسمبر من العام الماضي، اجتمع واضعو السياسات وشركات التكنولوجيا وقادة الصناعة النووية من جميع أنحاء العالم في مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا لاستكشاف فرص الطاقة النووية لتمكين توسع الذكاء الاصطناعي، وبالمقابل كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يدفع الابتكار في الصناعة النووية.
ويتطلب تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة عشرات الآلاف من وحدات المعالجة المركزية (CPUs) لتعمل بشكل مستمر لأسابيع أو حتى أشهر.
الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية شريكان للمستقبل
يقول مانويل جرايسينجر، مدير كبير في جوجل يركز على الذكاء الاصطناعي: "نحن بحاجة إلى كهرباء نظيفة ومستقرة وخالية من الكربون ومتاحة على مدار الساعة. هذا بلا شك سقف مرتفع للغاية، ولا يمكن تحقيقه من خلال طاقة الرياح والطاقة الشمسية وحدهما. الذكاء الاصطناعي هو محرك المستقبل، لكن المحرك بدون وقود لا فائدة منه تقريبًا. الطاقة النووية ليست مجرد خيار، بل هي أيضًا مكون أساسي لا غنى عنه في هيكل الطاقة المستقبلي".
وأكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مانويل جروسي، أن الصناعة النووية مقدر لها أن تكون شريك الطاقة لثورة الذكاء الاصطناعي. وقال: "فقط الطاقة النووية يمكنها تلبية الاحتياجات الخمسة المتمثلة في توليد الطاقة منخفضة الكربون، والموثوقية على مدار الساعة، وكثافة الطاقة الفائقة، واستقرار الشبكة، وقابلية التوسع الحقيقية".
تبدو الصناعة النووية في حالة تفاؤل؛ فهناك واحد وسبعون مفاعلًا جديدًا قيد الإنشاء، تضاف إلى 441 مفاعلًا تعمل حاليًا على مستوى العالم. ومن المقرر بناء عشرة مفاعلات في الولايات المتحدة، التي تضم بالفعل 94 محطة، وهو أكبر عدد في أي بلد.
وقد تعهدت عمالقة التكنولوجيا التي تستخدم مراكز البيانات بدعم هدف زيادة القدرة العالمية للطاقة النووية ثلاث مرات على الأقل بحلول عام 2050.
فوقعت شركة مايكروسوفت، على سبيل المثال، اتفاقية شراء طاقة لمدة 20 عامًا سمحت بإعادة تشغيل الوحدة الأولى من محطة "ثري مايل آيلاند" للطاقة النووية في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
كما يستثمر بقية العالم بنشاط في الطاقة النووية، مدفوعًا بنمو الذكاء الاصطناعي. وأوضح جروسي: "تمتلك أوروبا الممرات الرقمية الأكثر كثافة في العالم، مع وجود فرانكفورت وأمستردام ولندن كمراكز".
وأضاف: "القوى التقليدية في مجال الطاقة النووية مثل فرنسا والمملكة المتحدة تضاعف جهودها في بناء الطاقة النووية، كما تسرع الدول الناشئة مثل بولندا مشاركتها".
وتظل روسيا، التي تمتلك قاعدة بحثية ماهرة في الرياضيات وعلوم الكمبيوتر، أكبر مصدر في العالم في مجال الطاقة النووية، وهي مشغل ومطور رائد لتقنية المفاعلات المتقدمة، بينما تحقق الصين إنجازات كبيرة في كل من الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية.
وقال رئيس الوكالة النووية التابعة للأمم المتحدة: "تتقدم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في وقت واحد، كما يحتل عدد المفاعلات النووية الجديدة في العالم المرتبة الأولى عالميًا خلال نفس الفترة".
وتستثمر اليابان بكثافة في بناء وتحديث مراكز البيانات لتلبية الطلب المتزايد، بينما في الشرق الأوسط، أنشأت الإمارات العربية المتحدة برنامجًا للطاقة النووية وبرزت كمركز إقليمي للذكاء الاصطناعي.
إن الحاجة إلى طاقة أكبر بكثير، وبسرعة، تدفع أيضًا نحو بناء مفاعلات معيارية صغيرة، تختلف تمامًا عن المحطات الكبيرة التقليدية التي تتطلب استثمارات ضخمة وفترة زمنية تصل إلى حوالي 10 سنوات.
هل يمكننا التخلي عن الذكاء الاصطناعي اليوم؟
مع التحذيرات المستمرة، يكون السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا لا نخفض استخدامات الذكاء الاصطناعي لتقليل التداعيات السلبية للإفراط على شبكات الكهرباء والمناخ؟
ولكن التقارير الدولية تكشف صعوبة تلك الخطوة في الوقت الحالي، إذ أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الاستخدام اليومي في جميع القطاعات تقريبًا، مثل المستشفيات، والإدارة العامة، والنقل، والزراعة، والخدمات اللوجستية، والتعليم.