جرينلاند.. كيف ترى أوروبا الطموحات الأميركية بين القلق والاحتواء؟|فيديو
أكد مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات، ميسرة بكور، أن أوروبا تنظر بقلق بالغ إلى الطموحات الأميركية في جزيرة جرينلاند، معتبرة إياها تهديدًا مباشرًا للسيادة الأوروبية ولمعادلة التوازن الجيوسياسي في القطب الشمالي، موضحًا أن هذا القلق لا يقتصر على التحليلات الأكاديمية، بل بات واضحًا في المواقف الرسمية والتحركات السياسية داخل العواصم الأوروبية الكبرى.
مشروع "الحارس القطبي"
شدد ميسرة بكور، خلال مداخلة على قناة القاهرة الإخبارية، على أن تصاعد الحديث الأميركي عن جرينلاند أعاد إلى الواجهة مخاوف أوروبية قديمة تتعلق بمحاولة واشنطن بسط نفوذها على مناطق استراتيجية بالغة الحساسية، ليس فقط عسكريًا، بل اقتصاديًا وجيوسياسيًا أيضًا، وأن هذا التحرك يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن ملف جرينلاند لم يعد مسألة جغرافية بعيدة، بل بات جزءًا من صراع النفوذ العالمي على الممرات البحرية، والثروات الطبيعية، ومواقع الإنذار المبكر والفضاء.
واحدة من أبرز الإشارات على هذا القلق الأوروبي، بحسب ميسرة بكور، تمثلت في طرح وزير الدفاع البلجيكي لمشروع “الحارس القطبي”، الذي يهدف إلى تعزيز الوجود الدفاعي الأوروبي في مناطق القطب الشمالي، في مواجهة أي تمدد أميركي أو روسي محتمل، هذا المشروع لم يبقَ في الإطار البلجيكي فقط، بل حظي بدعم المستشار الألماني، مع توجه رسمي لطرحه على جدول أعمال الاجتماع المقبل لحلف شمال الأطلسي “الناتو”.
حسابات مختلفة داخل أوروبا
إلى جانب الموقف البلجيكي والألماني، أشار ميسرة بكور إلى وجود تحركات فرنسية واضحة في هذا الملف، مستشهدًا بتقارير سابقة تحدثت عن توجه فرنسي ـ إيطالي لفتح قنوات تفاوض مع روسيا، وأن الرئيس الفرنسي ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني يدفعان في اتجاه مسار تفاوضي مع موسكو، في محاولة لتخفيف حدة الاستقطاب الحاد بين واشنطن وروسيا.
ويفسر ميسرة بكور، هذا التوجه بأنه نابع من مخاوف أوروبية عميقة من الوقوع “بين المطرقة الأميركية والسندان الروسي”، حيث تجد القارة العجوز نفسها محاصرة بين قوتين عظميين تتصارعان على النفوذ، بينما تتحمل أوروبا كلفة هذا الصراع سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.
جرينلاند.. فكرة قديمة
وحول الجدل المتجدد بشأن ضم أو شراء جزيرة جرينلاند، أوضح مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات، أن هذه الفكرة ليست وليدة عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، كما يعتقد البعض، بل تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر. فبعد أن اشترت الولايات المتحدة ولاية ألاسكا من روسيا عام 1867، طُرحت فكرة شراء جرينلاند مقابل 5.5 مليون دولار، لكنها لم ترَ النور آنذاك.
وأضاف ميسرة بكور، أن الفكرة عادت مجددًا إلى السطح في عام 1955 خلال عهد الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور، لكنها تراجعت مع تطورات الحرب الباردة وترتيبات التوازن الدولي آنذاك.
الوجود الأميركي في جرينلاند
وتابع ميسرة بكور، لم تكتفِ الولايات المتحدة بالأفكار النظرية حول جرينلاند، بل عززت وجودها الفعلي على الجزيرة منذ عقود، ففي عام 1951، قامت واشنطن ببناء قاعدة عسكرية هناك، تحولت لاحقًا إلى مركز استشعار متقدم، وقاعدة إنذار مبكر، إضافة إلى استخدامها في عمليات الإطلاق الفضائي ومراقبة التحركات الصاروخية.
ويرى ميسرة بكور، أن هذا الوجود العسكري الطويل الأمد يجعل من جرينلاند أحد أهم المواقع الاستراتيجية في العالم، وهو ما يفسر تمسك واشنطن المتزايد بها، في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع روسيا والصين في مناطق القطب الشمالي.

جرينلاند بين صراع القوى الكبرى
واختتم ميسرة بكور، بالتأكيد على أن جرينلاند لم تعد مجرد جزيرة نائية في شمال الأطلسي، بل تحولت إلى عقدة استراتيجية في صراع النفوذ العالمي، وبين قلق أوروبي من التمدد الأميركي، ورغبة روسية في حماية مجالها الحيوي، تبقى القارة الأوروبية في قلب معادلة شديدة التعقيد، تحاول من خلالها حماية سيادتها، وتفادي أن تتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين الكبار.