بعد انتشار ظاهرة وصايا الفنانين.. ازدواجية نجوم الغناء بين التكسب من الفن والتبرؤ منه بعد الوفاة
اعتاد الجمهور المصري والعربي، سماع أخبار اعتزال بعض الفنانين وهم على قيد الحياة، حين يشعرون بعدم توافق ما يقدمونه مع قناعاتهم الدينية أو الشخصية، إلا أنه في الآونة الأخيرة جرى رصد ظاهرة جديدة حيث لجأ عدد من نجوم الغناء إلى إطلاق وصايا علنية يطالبون فيها بحذف أغانيهم بعد الوفاة.
وأعلن عدد من الفنانين نيتهم الاعتزال والتوقف عن التربح من أعمالهم الفنية بدعوى عدم توافقها مع قناعاتهم الدينية، إلا أن مراقبين لاحظوا أن تنفيذ هذه القرارات غالبًا ما يرتبط بتوقيتات خاصة، في مقدمتها التقدم في العمر، أو التعرض لأزمات صحية، أو الشعور بالضعف الجسدي، بينما استمر بعضهم لسنوات طويلة في الاستفادة المادية والمعنوية من هذه الأعمال قبل اتخاذ قرار التراجع عنها، وذلك وفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
وترك فئة من مشاهير الفن في العالم العربي الساحة عن قناعة تامة واعتزلوا في أوج نجوميتهم، إذ رأوا تعارضا بين ما يقدمونه والتزامهم الديني، وعاشت فئة أخرى حالة من التشويش، فيعتزلون تارة ثم يتراجعون مرة أخرى مع تبريرات متضاربة.
حذف الأغاني بعد الوفاة
واتبعت فئة ثالثة منطقا مستحدث؛ فهؤلاء مارسوا الفن وتربحوا منه، ثم قرروا التوبة بأثر رجعي، موصين بحذف إنتاجاتهم الفنية من المنصات بعد رحيلهم، لتبدو التوبة مجرد اتفاق مع الموت وليس مع المبادئ.
وعلل الفنانون مطلبهم بعدم استمرار "سيئة جارية"، أي مضاد الحسنة الجارية، بعد وفاتهم، حيث ارتبطت هذه الظاهرة بنجوم الغناء الشعبي والمهرجانات، وبخاصة من توفوا وهم في عمر الشباب.
وبدأت ملامح هذه الظاهرة في الظهور عبر تسريب وصايا عدد من الفنانين عن طريق أصدقاء ومقربين، تتضمن رغبتهم في حذف أعمالهم الغنائية بعد الوفاة، قبل أن تتطور لاحقًا إلى تصريحات علنية لبعض النجوم حول نيتهم التخلي عن أرشيفهم الفني بالكامل باعتباره — من وجهة نظرهم — «فنًا محرّمًا»، لكنهم لم يقدموا على القرار بعد، رغم استمرارهم في الحفلات والاستعراض.
صاحب مهرجان إخواتي
وأعلن أصدقاء المطرب الشعبي الراحل أحمد دقدق، المعروف بمهرجان "إخواتي"، عن وصيته التي بدأ تنفيذها بحذف أغانيه من جميع المنصات، وواجه المنتجون تعقيدات بسبب القرار، لكن بعضهم استجابوا له.
ورفض المطرب الراحل الذي كان مريضًا بالسرطان إعلان اعتزاله أو حذف أعماله أثناء حياته، بينما كشف المقربون عن نيته المرتبطة بالوفاة فقط.
الخلط بين الفعل والنية
ويرى الخبراء النفسيون أن بعض الفنانين يخلطون بين الفعل والنية، فاعتبروا أن الفن وسيلة لجمع المال ثم أعلنوا التبرؤ منه بعد تحقيق أهدافهم، وتعود هذه الظاهرة إلى ضعف الثقافة والمعرفة.
وأضاف الخبراء: “حقق الفنانون ثروات دون تطوير الفكر أو البحث عن مصادر تهذب التفكير وتجعل الفعل متسقًا مع القناعة، وهناك دوافع نفسية وراء تعدد المواقف. فنجد أن الشخصية النفعية بحثت عن المنفعة من أي عمل قامت به”.
واعتبر بعض الفنانين، أن الفن مصدرًا للمال ولكنه عمل مشبوه. وحرص البعض على تبني موقف التوبة قبل الوفاة خوفًا من الموت أو المرض، بينما حاول آخرون التخفف من الضغوط النفسية الناتجة عن فقدان قريب أو صديق مفاجئًا.
وأعلن مؤدي المهرجانات شحتة كاريكا أنه سيوصي بحذف انتاجاته الفنية بعد رحيله. وأشار إلى اقتناعه بحرمانية الأعمال إذا استمرت بعد موته.
كما حذفت أغاني المطرب أحمد عامر بعد وفاته بناء على وصيته، واستجاب منتج أعماله لهذا الطلب.
ولاحظ النقاد أن بعض الفنانين تحدثوا بتناقض صارخ. حيث اعترف سعد الصغير بحرمانية الغناء ثم عاد لممارسته بعد فترة. وكشف تامر حسني عن أمنيته بعدم الوفاة مطربًا دون توضيح إضافي.
وأوصى طارق الشيخ بحذف أغانيه بعد الوفاة رغم اعتقاده أنها لا تحمل أفكارا خادشة، كما أعلن حمو بيكا أنه سيتوقف عن الغناء "علشان ربنا" لكنه لم ينف صراحة أن أموال الغناء ليست شرعية.
نقابة الموسيقيين
واقتصر دور نقابة الموسيقيين في مصر على تقديم التعازي لأهالي الراحلين دون التدخل في فكرة الوصايا، حيث أوضح رئيس النقابة أن إعادة تقييم اختياراته الفنية جاءت لمراجعة الصواب والخطأ.
واعتبر النقاد أن جزءًا من الفنانين يمارس الغناء بينما يقنعون أنفسهم بأنه حرام، فيتربحون منه في الدنيا ويحرمونه في الآخرة، ليظل التناقض سمة أساسية في الوسط الفني.
وزاد انتشار هذه الظاهرة منذ صيف العام الماضي مع وصية أحمد عامر. فظهر الأمر بين مطربي المهرجانات الذين أعلنوا اعتزالهم في مقتبل حياتهم المهنية، مثل فارس حميدة وعلي قدورة. واتخذ هؤلاء قرار الابتعاد فور رفض المجال النفسي والعقلي للفن، مقارنة بحالات أكثر تناقضًا لدى نجوم آخرين، إذ يبدو أنهم يوازنون بين الشهرة والربح وبين الشعور بالذنب.
وشبه النقاد هذه الظاهرة بما حدث في الثمانينيات والتسعينيات حين طالبت بعض الفنانات بحرق أعمالهن بعد الاعتزال. ورأوا أن حذف الأغاني اليوم يوازي دعوات الحرق القديمة تماما.
وذكروا الفنانة شادية نموذجًا مثاليًا، إذ اعتزلت بصمت مع الحفاظ على تاريخها الفني وبدت فخورة بما قدمته رغم انسحابها من الساحة.