< كيف سبقت الدراما التليفزيونية عملية ترامب في فنزويلا؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

كيف سبقت الدراما التليفزيونية عملية ترامب في فنزويلا؟

الرئيس نيوز

تقدمت الدراما الأمريكية بخطوات واثقة على أرض الواقع، حين بدت تطورات فنزويلا وكأنها نسخة متأخرة من سيناريو كتب قبل ستة أعوام، فمسلسل جاك ريان لم يكتف بتقديم قصة تجسس مشوقة، بل رسم مبكرا ملامح صراع جيوسياسي معقد سبق قرارات واشنطن الأخيرة، وكشف عبر حبكته عن منطق المصالح الذي يحكم علاقة الولايات المتحدة بدول تمتلك ثروات استراتيجية، في مشهد جعل الواقع أكثر صدامية واندفاعا من الخيال، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

قدم الموسم الثاني من مسلسل Tom Clancy’s Jack Ryan رؤية درامية متماسكة للصراع الأمريكي مع فنزويلا، معتمدا على محاكاة محسوبة للشخصيات الفاعلة، ومظهرا قدرا واضحا من التحفظ في كيفية التعاطي مع فكرة إسقاط الأنظمة، مقارنة بما أقدم عليه دونالد ترامب لاحقا خلال ولايته الثانية، حين انتقل من منطق الاحتواء والضغط غير المباشر إلى قرارات صدامية مباشرة أغلقت المشهد السياسي في كاراكاس بصورة غير مسبوقة.

واختار صناع المسلسل الإبقاء على الديكتاتور الفنزويلي المتخيل نيكولاس رييس في موقعه، في إسقاط مباشر تقريبا على نيكولاس مادورو، فقدموا شخصية حاكمة تتشبث بالسلطة، وتقمع المعارضة، وتغلف ممارساتها بخطاب شعبوي مناهض للإمبريالية، بينما تغرق البلاد في الفقر والانهيار، من دون أن تذهب الدراما إلى حد اقتلاع الرئيس من قصره، مكتفية بإبراز تناقضات النظام وهشاشته الداخلية.

وسد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أرض الواقع هذه الفجوة الدرامية، ونفذ عملية عسكرية محدودة وخاطفة أنهت الوجود السياسي لمادورو، في خطوة بدت وكأنها استكمال عملي لما توقف عنده الخيال، ولكن من دون الالتزام بالتحفظات القانونية والأخلاقية التي تمسك بها العمل الدرامي، فاختار الرئيس الأمريكي حلا صداميا اختصر الزمن، وأعاد رسم خريطة النفوذ في دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم.

وكشف المسلسل عن فهم عميق لكيفية تفكير المؤسسات الأمريكية، إذ قدم بطل المسلسل جاك ريان بوصفه محللا في وكالة الاستخبارات المركزية، يتحرك بدافع وطني واضح، لكنه يصطدم مرارا بحسابات المصالح العليا، فيكتشف أن خطاب نشر الديمقراطية وحماية الشعوب يتراجع سريعا عندما يتعارض مع النفط والمعادن والموقع الجغرافي الحساس.

بدأت الحبكة الدرامية باكتشاف خيط معلوماتي يقود إلى صفقات سلاح مشبوهة وتعاون خفي مع قوى دولية، فانغمس جاك ريان في المشهد الفنزويلي، وشارك في اشتباكات محدودة، وسعى إلى دعم المعارضة عبر مسارات غير مباشرة، من دون الانزلاق إلى تدخل عسكري واسع، في محاكاة واضحة لدروس العراق وأفغانستان التي لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الأمريكية.

وعرض المسلسل فنزويلا بوصفها دولة غنية بالموارد وفقيرة بالعدالة، تعوم على كنوز من النفط والمعادن، لكنها تعاني اقتصادا منهارا وهجرة واسعة للكفاءات، نتيجة حكم ديكتاتوري يقمع أي محاولة للإصلاح، ويواجه الاحتجاجات بالقوة، ويحول الشعارات القومية إلى أداة لتبرير العنف والاستبداد.

وبرز أحد أكثر مشاهد العمل دلالة في محاضرة ألقاها جاك ريان داخل إحدى الجامعات، حين طرح على الحضور سؤالا عن أخطر دولة تهدد العالم، فتنوعت الإجابات بين روسيا والصين وكوريا الشمالية، قبل أن يفاجئهم باعتبار فنزويلا الخطر الصامت الذي يتعمد صناع القرار تجاهله إعلاميا، بسبب احتياطها النفطي الهائل، وثرواتها المعدنية الضخمة، وقربها الجغرافي من الولايات المتحدة.

وشرح ريان كيف يمكن لرئيس يمتلك نزعة قومية متطرفة وقدرة كبيرة على شل الاقتصاد أن يحول هذه الدولة إلى بؤرة عدم استقرار تمتد تداعياتها إلى الإقليم والعالم، محذرا من سيناريوهات تشبه ما شهدته دول مثل سوريا واليمن والعراق، حيث تتقاطع الأزمات الإنسانية مع الفوضى الأمنية والسياسية.

لم يقدم المسلسل نفسه بوصفه عملا تنبؤيا، بل قراءة درامية مبنية على معطيات واقعية وتحليلات معلوماتية، وهو ما أكده أحد صناع العمل لاحقا، مشيرا إلى أن الحبكة استندت إلى احتمالات منطقية قائمة منذ سنوات، غير أن المفارقة تجلت حين سبق الخيال التنفيذ السياسي بزمن غير قصير.

وعلى أرض الواقع، لم تتردد الولايات المتحدة في الاحتفاء بالمكاسب الاقتصادية التي أعقبت إقصاء مادورو، إذ تدفقت ملايين براميل النفط، وفتحت أبواب الاستثمارات أمام الشركات الأمريكية، بينما بقيت الأسئلة المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان معلقة، وكأنها تفصيل ثانوي أمام منطق المصالح الصلبة.

وحافظ المسلسل على الصورة التقليدية للولايات المتحدة بوصفها دولة تحاول الالتزام بالقوانين الدولية وحدود التدخل، بينما تجاوز الواقع هذه الحدود، وجعل السياسة أكثر قسوة من الدراما، في مفارقة عكست حجم التحول في أسلوب إدارة النفوذ الأمريكي. 

وأكدت شخصية جاك ريان، التي ابتكرها الكاتب توم كلانسي، حضورها مجددا كأحد أبرز رموز الإثارة السياسية، فالشخصية التي جسدها سابقا هاريسون فورد وبن أفليك وكريس باين، تحولت في المسلسل إلى مرآة تعكس تناقضات القوة الأمريكية بين خطاب أخلاقي معلن وممارسة واقعية تحكمها المصالح.

وبين السينما والواقع، بدت فنزويلا ساحة يتقاطع فيها الخيال الدرامي مع القرار السياسي، حيث سبق السيناريو التلفزيوني الواقع بخطوة، ثم جاء الواقع ليعيد كتابة القصة بأسلوب أكثر قسوة، مؤكدا أن المسافة بين الشاشة ومراكز صنع القرار قد تكون أحيانا أقصر مما يبدو.