«مبدأ مونرو» من غزو بنما إلى خطف مادورو: تحول أدوات القوة الأمريكية
شهدت فنزويلا مطلع عام 2026 تدخلا عسكريا أمريكيا انتهى باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة في مشهد يعيد إلى الأذهان عملية اعتقال مانويل نورييجا في بنما عام 1989.
ورغم التشابه في الشكل، فإن السياقين مختلفان جذريا، وهو ما يثير نقاشا واسعا حول شرعية وجدوى التدخل الأخير كما تشير صحيفة نيويورك تايمز.
وفي حالة بنما ساهمت عوامل داخلية وخارجية في نجاح العملية نسبيا، إذ كانت هناك معارضة سياسية جاهزة لتولي الحكم، كما أن القوات الأمريكية كانت متمركزة مسبقا في منطقة القناة، مما سهل التدخل وأفضى إلى نظام ديمقراطي وانتقال سلمي للسلطة ونمو اقتصادي كان فخرا لإدارة جورج بوش الاب.
أما في فنزويلا فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده ستتولى إدارة الدولة مؤقتا إلى حين انتقال آمن ومنظم، وهو ما أثار انتقادات واسعة بسبب غياب خطة واضحة للمرحلة المقبلة ورفض إشراك المعارضة المنتخبة بقيادة ماريا كورينا ماتشادو.
واعتبرت افتتاحية نيويورك تايمز أن ما قام به ترامب غير قانوني وغير حكيم، مؤكدة أن الدستور الأمريكي يفرض الحصول على موافقة الكونجرس قبل أي عمل عسكري بهذا الحجم، وهو ما لم يحدث.
كما رأت أن تبرير العملية بمكافحة "الناركو-إرهاب" غير مقنع، إذ إن فنزويلا ليست منتجا رئيسيا للمخدرات التي تؤثر في الولايات المتحدة.
واشتعلت النقاشات حول دوافع ترامب التي يرجح ارتباطها أكثر بإعادة إحياء مبدأ مونرو بصيغة جديدة تسعى لفرض الهيمنة الأمريكية على نصف الكرة الغربي، وفقا لتقدير الموقف الذي نشره موقع ذا كونفرسيشن.
من زاوية قانونية واستراتيجية يشير محللون إلى أن ترامب باستخدام القوة ضد فنزويلا أعاد تفعيل ما يعرف بمبدأ مونرو الذي أعلن في عام 1823 على يد الرئيس الأمريكي الأسبق جيمس مونرو خلال خطاب سنوي للكونجرس، وكان هذا المبدأ يهدف إلى منع تدخل القوى الأوروبية في شؤون دول نصف الكرة الغربي بينما تؤكد أمريكا على حقها في حماية مصالحها وتأثيرها في المنطقة مع مرور الزمن أصبح مبدأ مونرو إطارا أساسيا للسياسة الأمريكية في أمريكا اللاتينية حيث استخدمته واشنطن لتبرير تدخلاتها العسكرية والسياسية المختلفة على مدى قرنين من الزمان ومن وجهة نظر ترامب فإن العملية المباشرة في كاراكاس تمثل استعادة عملية لتطبيق المبدأ بطريقة عصرية لتعزيز النفوذ الأمريكي دون انتظار موافقة المجتمع الدولي أو الأمم المتحدة.
كما أن العملية الأمريكية أثارت انتقادات واسعة من المنظمات الدولية ومجلس الأمن في الأمم المتحدة حيث اعتبرت بعض الدول أن التدخل في شؤون فنزويلا والاعتداء على رئيس دولة ذات سيادة يمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي وللمبادئ التي أرستها الأمم المتحدة في ميثاقها عام 1945.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الانتقادات سلطت الضوء على التحديات التي تواجه النظام العالمي في منع التدخلات الأحادية وحماية السيادة الوطنية كما أبرزت صعوبة التوفيق بين تطبيق مبدأ مونرو من منظور أمريكي وبين الالتزامات الدولية التي تفرضها الأمم المتحدة على جميع الدول الأعضاء.
لكن افتتاحية صحيفة واشنطن بوست حذرت من أن التدخل يفتقر إلى الشرعية الدولية ويهدد بتكرار أخطاء العراق وليبيا وأفغانستان، حيث أدت محاولات تغيير الأنظمة بالقوة إلى فوضى وانقسامات طويلة الأمد.
كما أشارت إلى أن الهجمات الأمريكية على قوارب فنزويلية، والتي أسفرت عن مقتل أشخاص دون محاكمة أو دفاع، تمثل انتهاكا للقانون الدولي واتفاقيات جنيف.
ومن منظور استراتيجي يرى خبراء أن فنزويلا تختلف عن بنما من حيث الحجم السكاني والمساحة الجغرافية، مما يجعل أي محاولة لاحتلالها أو إدارتها أكثر تعقيدا بكثير.
كما أن وجود جماعات مسلحة مثل القوات الثورية الكولومبية والميليشيات المحلية "الكولكتيفوس" يزيد من احتمالات الفوضى والعنف، ويجعل أي خطة أمريكية للتسيير المباشر للدولة صعبة التنفيذ.
ويضيف محللون أن بنية الحكومة الفنزويلية المتماسكة نسبيا رغم أزمات البلاد تشكل تحديا غير موجود في بنما عام 1990، حيث كانت الفوضى السياسية مهيأة للتدخل الأمريكي، وفقا لهيئة الإذاعة البريطانية، بي بي سي.
وعلى صعيد الطاقة؛ يمثل قطاع النفط الفنزويلي محورا استراتيجيا حاسما للصين والولايات المتحدة على حد سواء. الصين كانت تستورد نحو 700 ألف برميل يوميا من أصل 1.2 مليون برميل وفق اتفاقيات سابقة تدفع بموجبها فنزويلا القروض عبر النفط المخفض السعر.
الضربة الأمريكية لم تعط أجوبة واضحة بشأن استمرارية هذه الصادرات أو أسعارها، وهو ما قد يعزز أوراق الضغط الأمريكية على بكين ويعيد رسم أولويات الطاقة في المنطقة كما رجحت صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست الصينية.
أما على المستوى السياسي الدولي فإن اعتقال مادورو يمثل رسالة أمريكية قوية للعالم حول قدرة الولايات المتحدة على التدخل في أمريكا اللاتينية، لكنه في الوقت ذاته يثير مخاطر كبيرة على استقرار المنطقة.
التحليل القانوني يشير إلى أن مثل هذا التدخل يضع الولايات المتحدة في مواجهة انتقادات شرعية واسعة من مجلس الأمن والأمم المتحدة، كما يفتح الباب أمام مراجعة سياسات مبدأ مونرو التاريخية في سياق القرن الحادي والعشرين وفقا للإندبندنت.
وبالنسبة للصين فإن الغارة الأمريكية تثير النقاشات حول كيفية شل قيادة خصم سياسي وعسكري، وهو ما سينعكس على خطط بكين المستقبلية بشأن تايوان.
الاستراتيجيون الصينيون يدرسون العملية بعناية لتقييم القدرات الأمريكية على شن ضربات مماثلة في مناطق حساسة، مع مراعاة الاختلافات الكبيرة بين فنزويلا وتايوان من حيث التركيبة العسكرية والجغرافية والسياسية وفقا لصحيفة الإندبندنت.
وكشف التدخل الأمريكي في فنزويلا تكرارا لنمط تاريخي من محاولات فرض التغيير بالقوة في أمريكا اللاتينية، لكنه يفتقر إلى الشرعية القانونية والدولية ويهدد بزعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي.
وبينما يصر ترامب على أن بلاده ستدير فنزويلا حتى انتقال آمن، فإن غياب خطة واضحة ورفض إشراك المعارضة المنتخبة يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة قد تتجاوز حدود فنزويلا لتؤثر في المنطقة والعالم الأوسع.