صمود طهران في وجه الاحتجاجات الشعبية على المحك
تستمر الاحتجاجات الواسعة في إيران وسط أزمة اقتصادية حادة ويعود السبب المباشر إلى الانخفاض الحاد في قيمة الريال، وارتفاع التضخم إلى أكثر من 36٪، وارتفاع أسعار الغذاء، وانقطاعات في الكهرباء والمياه.
وأشارت صحيفة كاليبر إيه زي المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية إلى أن جذور الأزمة أعمق؛ إذ تأثرت إيران بشكل كبير بعد سلسلة الضربات الإسرائيلية والأمريكية في صيف 2025 على المنشآت النووية وقادة الجيش، إضافة إلى فقدان النفوذ الإقليمي بعد هزيمة الأسد في سوريا واستهداف حزب الله.
وعلى الأرض، تتوزع الاحتجاجات منذ أواخر ديسمبر 2025 في طهران وعدة محافظات، بمشاركة التجار والطلاب والمتقاعدين، وأسفرت حتى الآن عن وفاة 16 شخصًا على الأقل في اشتباكات مع قوات الأمن.
ويشير الخبراء إلى أن النخبة الإيرانية تستفيد من شبكاتها الدينية والاجتماعية لتثبيت أركان النظام، حتى وسط أزمات اقتصادية حادة.
وفي السياق، يوضح المحلل الجورجي فاسيلي بابافا أن إيران تمتلك هيكلية حكم دينية متعمقة، تضم المؤسسات الدينية والجمعيات الخيرية ("البونيات") والمجتمعات المحلية، والتي توفر المساعدات الاجتماعية والخدمات الطبية والدعم المادي للملايين، خصوصًا في المناطق الريفية، لافتا إلى أن هذا النظام الموازٍ للاقتصاد يخلق ولاءً واسعًا للنظام ويعزز صموده أمام الاحتجاجات الاقتصادية.
من جهة أخرى، تلعب قوات البسيج والحرس الثوري دورًا محوريًا في حماية النظام، فهي جزء من النسيج الاجتماعي والديني، وليست مجرد قوات أمنية. حيث يتم تعبئة نشطاء البسيج من المجتمعات المحلية، ويُنظر إلى الدفاع عن النظام كواجب ديني، بينما تحولت قيادات الحرس الثوري إلى شبكة اقتصادية ضخمة مرتبطة ببقاء الوضع السياسي القائم، ما يمكّن النظام من التعبئة السريعة لمئات الآلاف من المؤيدين للحفاظ على الاستقرار.
كما يسهم العامل الوطني والوعي التاريخي بالتدخلات الأجنبية، مثل انقلاب 1953، في تعزيز موقف النظام. حتى المعارضون اقتصاديًا، غالبًا ما يتبنون موقفًا وطنيًا، معتبرين أن التهديدات الخارجية مثل الضربات الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة تتطلب الوحدة للحفاظ على السيادة. هذه "معادلة الحصن المحاصر" أثبتت نجاحها سابقًا، كما في الحرب ضد إسرائيل في يونيو 2025، حيث لم تشهد البلاد اضطرابات داخلية واسعة، وفضلت شرائح المجتمع التركيز على المصالح الوطنية على حساب المطالب الداخلية.
وعلى الرغم من هذه القوة الهيكلية، يشير الخبراء إلى وجود استثناءات جزئية، مثل تصريح الرئيس الإيراني عن استعداده للتفاوض مع المحتجين، إلا أن المرشد الأعلى علي خامنئي أعاد التأكيد بسرعة على أن الاحتجاج مسموح به لكنه لا يعني تغيير النظام، وهو ما يتوافق مع نمط النظام الإيراني في السماح بالتعبير عن احتجاج محدود دون السماح بالتمرد الكامل.
ويشير تحليل لصحيفتي نيويورك تايمز وإيران إنترناشيونال إلى أن الأزمة الراهنة تمثل اختبارا لصمود النظام، لكنها تؤكد استمرارية البنية التحتية للدولة الإيرانية. فالدمج العميق بين الدين، والسياسة، والمجتمع، يجعل انهيار النظام عبر احتجاجات الشارع أمرًا مستبعدًا. كما أن التوترات الاقتصادية، على الرغم من شدتها، لا تضعف سلطة النظام بشكل كلي، بل تؤدي إلى تعزيز الاعتماد على الأجهزة الدينية والعسكرية لضمان السيطرة، ما يجعل أي تغيير جذري عبر الضغط الشعبي وحده غير مرجح في الوقت الحالي.