إيران تهتز بالاحتجاجات الشعبية وسط انقسام داخل النظام
لليوم السادس، خرج آلاف الإيرانيين إلى الشوارع احتجاجا على تدهور الأوضاع الاقتصادية التي أثارتها انهيارات متتالية في قيمة العملة وارتفاع التضخم، مما دفع بالاحتجاجات لتصبح الأوسع منذ سنوات في البلاد، بينما تابع اللبنانيون والمحللون الإقليميون هذه التحركات باعتبارها مؤشرا محتملا لتحولات عميقة في المنطقة، وفقا لصحيفة لوريان لو جور.
موجة احتجاج جديدة بسبب انهيار العملة وغلاء المعيشة
اندفع المحتجون إلى الشوارع في طهران وأصفهان وشيراز وكيرمانشاه احتجاجًا على انهيار الريال الإيراني مقابل الدولار الأمريكي وتفاقم التضخم الذي تجاوز 40 في المئة، وهو ما أدى إلى تراجع القوة الشرائية للمواطنين وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مما أثار غضب تجار السوق والطلاب والطبقات المتوسطة، وفقا لمجلة فوربس.
وأغلقت الأسواق أبوابها في نفس التوقيت، وتجمع التجار في البازارات المركزية مرددين شعارات تطالب الحكومة بـ تحقيق العدالة الاقتصادية وإصلاح السياسات المالية، بينما ارتفعت مطالب بعض المتظاهرين لتشمل رفضا أوسع لإدارة النظام، لا مجرد تحسينات اقتصادية، وفقا لبلومبرج.
قوات الأمن تقمع الاحتجاجات
ردت قوات الأمن الإيرانية وميليشيات الباسيج شبه العسكرية على المظاهرات باستخدام القوة، مما أدى إلى وقوع اشتباكات عنيفة في عدة مدن.
وأفاد تقرير رويترز أن السلطات ألقت القبض على عدد من المتظاهرين، وأشارت إلى ضبط بعض المواد التي وصفها مسؤولون بأنها مرتبطة “بعناصر خارجية”، بينما أكدت جهات حقوقية أن الغالبية العظمى من المشاركين كانوا يعبرون عن مطالب اقتصادية محلية.
خطوة حكومية لتهدئة الشارع: تعيين محافظ جديد للبنك المركزي
استجابت الحكومة لأزمة العملة بتعيين محافظ جديد للبنك المركزي في محاولة لوقف تدهور الريال واستعادة ثقة الأسواق، وفق تقرير لوكالة أسوشيتد برس.
وقد أشار التقرير إلى أن التضخم وصل إلى مستويات أثارت سخطًا واسعًا، وأن القرار جاء تحت ضغط من قطاعات اقتصادية ترى أن تدهور العملة يضر بالاقتصاد الوطني.
وأعلن الرئيس الإيراني أيضا أن الحكومة ستفتح حوارًا محدودًا مع بعض ممثلي المحتجين في محاولة لتخفيف الاحتقان، ووعد بتعديلات في السياسات الضريبية وبرامج الدعم الاجتماعي.
الاقتصاد الإيراني تحت ضغط العقوبات والتدهور النقدي
أوضح محللون أن الأزمة الاقتصادية لم تتفاقم بين ليلة وضحاها، بل هي نتاج سنوات من العقوبات الغربية على البرنامج النووي الإيراني، ما قلل من موارد الدولة وعرض الريال لانهيارات متكررة، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في القوة الشرائية وتأثير ذلك على مستويات المعيشة للمواطنين.
وكشفت بيانات حديثة أن قيمة الريال الإيراني بلغت مستويات قياسية منخفضة مقابل الدولار الأمريكي، وتجاوزت أحيانا أكثر من 1.4 مليون ريال لكل دولار، ما زاد من إحباط تجار السوق والعمال الذين رأوا في ذلك تراجعا متواصلا للمعايير الاقتصادية الأساسية.
انقسام داخل النظام حول التعامل مع الحراك
برز انقسام بين المسؤولين الإيرانيين حول معالجة الاحتجاجات، إذ دعا بعضهم إلى إصلاحات اقتصادية حقيقية تستجيب لمطالب المواطنين، بينما حاول آخرون ربط الحراك بمحاولات “عناصر خارجية” لإضعاف استقرار البلاد، وهو ما يجسد انقساما داخليا في العقلية التدبيرية الحكومية.
وعلى الرغم من هذه الاجراءات، أظهر امتداد الاحتجاجات إلى ساحات الجامعات واندماج الطلاب والطبقات المتوسطة في الحراك، ما يعكس توسع قاعدة المعارضة وتأثير الضغوط الاقتصادية على فئات أوسع من المجتمع الإيراني، وفقا لصحيفة آسيا وان.
ارتدادات دولية
تفاعل القادة الغربيون مع الاحتجاجات، حيث حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تدخل محتمل إذا استخدمت السلطات الإيرانية القوة ضد المتظاهرين السلميين، وقال إن الولايات المتحدة “جاهزة ومهيأة للتحرك” لحماية المدنيين، في تصريحات نقلتها صحيفة فاينانشال تايمز.
وأصدرت طهران بيانا حادا اعتبرت فيه أي تدخل أمريكي في شأن داخلي تهديدا لاستقرار المنطقة بأكملها، محذرة من أن أية وصاية خارجية من شأنها أن تقوض مصالحها الوطنية.
وقال مستشار المرشد الأعلى إن أي يد تدخلية تقترب من أمن إيران بذريعة كاذبة سيتم قطعها قبل وصولها إلى البلاد برد يبعث على الندم.
وكتب الأدميرال علي شمخاني في منشور على حسابه على موقع X اليوم الجمعة: "الشعب الإيراني يعرف جيدًا المفهوم الأمريكي لـ "الإنقاذ" - من تجربة العراق وأفغانستان إلى غزة"، وأضاف ردا على منشور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على موقع "تروث سوشيال": "إن الأمن القومي الإيراني خط أحمر، وليس ملعبا للمنشورات المتهورة".
وعلق ترامب، اليوم الجمعة، على الاحتجاجات الإيرانية مؤكدًا أن الولايات المتحدة تتابع الوضع عن كثب وتستعد للتدخل إذا لجأت السلطات الإيرانية للقمع العنيف.
وقال إن المواطنين الإيرانيين يستحقون الحرية والعيش بكرامة، وإن واشنطن لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام أي انتهاكات جسيمة لحقوقهم. وأضاف ترامب أن الاحتجاجات تعكس استياء شعبيا وقد تشكل فرصة لتغيير السياسات الإيرانية إذا ما استجيب لمطالب الشعب.
وشدد ترامب على أن واشنطن لن تتراجع عن موقفها في حال استخدمت السلطات الإيرانية القوة المميتة ضد المحتجين، مؤكدا أن ردا أمريكيا مباشرا سيكون واردا إذا استمر القمع الدموي، وهو ما يضع النظام الإيراني تحت ضغط دولي متصاعد.