< نترات الأمونيوم وحاملات الجند الروبوتية تفسر حجم الدمار في غزة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

نترات الأمونيوم وحاملات الجند الروبوتية تفسر حجم الدمار في غزة

الرئيس نيوز

كشف تحقيق صحفي لصحيفة الإندبندنت البريطانية كيف أستخدم جيش الاحتلال الإسرائيلي ناقلات جند مدرعة محملة بمتفجرات بوزن يتراوح بين طن وثلاثة أطنان لتدمير أحياء سكنية كاملة في مدينة غزة خلال أسابيع الحملة القتالية قبل وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، وهو أسلوب تكتيكي غير مسبوق في النزاع الحديث. 

هذا التكتيك جاء في ظل قيود أمريكية على نقل قنابل “مارك‑84” الجوية الثقيلة وجرافات “كاتربيلر D9” المستخدمة في عمليات الهدم، مما دفع جيش الاحتلال لإعادة تأهيل ناقلات الجند المدرعة من طراز “M113” وتحميلها بمتفجرات متنوعة لإحداث أضرار هائلة في البنية التحتية المدنية، في ظل رفض رسمية من الأطراف تقديم تقييم كيماوي نهائي لطبيعة المتفجرات المستخدمة.

الإندبندنت البريطانية ذكرت أن هذا النهج العسكري أدى إلى مشاهد دمار ونزوح وصمت شبه كامل للسكان في أحياء كانت مكتظة، وسوى الشوارع بالأرض كما لم ترها من قبل. 


تكتيك “القنبلة الأرضية” وأثره الميداني


في الأسابيع الستة التي سبقت وقف إطلاق النار، استخدمت القوات الإسرائيلية ناقلات الجند المدرعة كـ “قنابل أرضية”، محملة بكمية ضخمة من المتفجرات بحيث يعادل تأثيرها تقريبًا قوة أكبر القنابل الجوية الأمريكية من طراز Mark‑84 بوزن 2000 رطل – وهو ما أكده خبراء عسكريون بعد فحص لقطات الأقمار الصناعية والتحليل التكتيكي للحطام. 

وأدى هذا التكتيك إلى تسوية أحياء بأكملها في مناطق مثل تل الهوا والصبرة نتيجة الانفجارات المتتالية، إلى جانب تأثيرات الغارات الجوية والجرافات المدرعة، ما جعل عدد الهياكل المنهارة يتجاوز الآلاف من المباني في مساحة واسعة من المدينة. 

ويروي أحد السكان المكلومين كيف دمر انفجار ناقلة جند منزله المؤلف من خمسة طوابق بشكل كامل دون تلقيه أي تحذير مسبق، مما أدى إلى تهجير عائلته بأكملها وهو ما يسلّط الضوء على النتائج الإنسانية المباشرة لقوة هذه المتفجرات. 

نترات الأمونيوم:


واستنادا إلى تقارير الخبراء العسكريين في التحقيق، فإن بعض المتفجرات التي حملت في ناقلات الجند كانت على الأرجح من مواد مشتقة من نترات الأمونيوم أو مخاليط غير عسكرية شائعة في المتفجرات التجارية، والتي رغم أنها أقل قوة من القنابل العسكرية المتخصصة، إلا أن ثقلها وتراكمها في مركبة واحدة يمكن أن يولّد موجات انفجار هائلة تكفي لتدمير المباني الشاهقة وإحداث انهيارات هيكلية كاملة. 


هذه المتفجرات، بالرغم من أنه لا يمكن التأكد منها دون اختبارات كيميائية مستقلة، كانت قادرة، وفق الخبراء، على تناثر شظايا المركبات لمئات الأمتار، وتحطيم الأعمدة والجدران الخارجية للمباني المحيطة، مما يجعلها أداة فعّالة في تدمير البيئة العمرانية الكثيفة. 

الحاملات الروبوتية والدمار الشامل


إلى جانب ناقلات الجند “المفخخة”، أفادت تقارير متخصصة أخرى بأن إسرائيل استخدمت في بعض المعارك حاملات جند “روبوتية” عن بعد محملة بمتفجرات، وهو ما وصفه المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة بأنه صيغة جديدة من أسلحة التفجير العنيد داخل المناطق الحضرية. هذه المركبات الصغيرة أو الكبيرة يتم التحكم فيها من بعيد، وتدفع إلى قلب الأحياء، ثم تفجر لتسبب دمارًا واسعًا في محيطها، يتجاوز نطاق العشرات من المنازل في آن واحد. 

وأفاد أحد السكان في حي الزيتون بأن الانفجارات الناتجة عن هذه الآليات تركت دمارًا هائلًا وخلق حالة من الرعب الدائم لدى المدنيين، حيث لم يتمكن البعض من مغادرة منازلهم قبل تفجير المركبات في محيطهم، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى داخل المنازل نفسها. 

الآثار الإنسانية والقانون الدولي

فيما أعرب خبراء منظمة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وخبراء القانون الدولي عن قلقهم من استخدام مثل هذه المتفجرات الثقيلة في مناطق حضرية مكتظة بالسكان، مؤكدين أنه قد يشكل انتهاكا لمبادئ القانون الإنساني الدولي التي تفرض التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنية وتجنّب القوة غير المتناسبة. هؤلاء الخبراء أشاروا إلى أن حجة الضرورة العسكرية وحدها لا تكفي لتبرير الدمار الشامل للبنية المدنية ما لم تكن هناك أدلة واضحة على استخدام المنشآت لأغراض عسكرية. 
 

ويرى البعض أن استخدام هذه التكتيكات، خصوصًا في مناطق مكتظة بالسكان المدنيين، يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب إذا ثبت عدم وجود أهداف عسكرية مبررة داخل المباني المستهدفة، وهو ما يفتح الباب أمام مساءلة أخلاقية وقانونية واسعة لاحقا. 
 

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أن الدمار المستمر وأزمة إعادة الإعمار علاوة على هذه الأدلة والتحليلات، تكفي لتكشف أن الحملة في غزة لم تستكمل فقط بقصف أو غارات جوية، بل شملت تكتيكات ميدانية جديدة تدمر المدن من الأساسات، وتحول الأحياء السكنية إلى مناطق حجارة وأنقاض. 

 

وفيما يواجه سكان غزة اليوم تهديدًا مستمرًا من الذخائر غير المنفجرة والمتفجرات المتبقية في الأنقاض، يبقى التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي هو ضمان إعادة البناء وحماية المدنيين من مخاطر يومية لا تنتهي بانتهاء القتال.