هل يحل عرض صور الضحايا المشكلة؟.. حوادث إطلاق النار في أمريكا تثير الجدل
تشكل حوادث إطلاق النار الجماعي في الولايات المتحدة أزمة أمنية واجتماعية عميقة لا تزال تتصاعد، حتى في نهاية عام 2025، مما دفع الصحافة والمجتمع المدني إلى البحث عن أساليب متعددة لإحداث تأثير حقيقي على النقاش العام والسياسي حول العنف المسلح وامتلاك الأسلحة النارية، وفقا لصحيفة ميامي هيرالد الأمريكية.
وتقول مجلة نيويوركر إن في طليعة هذه الأساليب يبرز نقاش مثير للجدل حول عرض صور الضحايا وقصصهم في وسائل الإعلام، كوسيلة لتحفيز المجتمع والسياسيين على اتخاذ إجراءات أقوى. لكن السؤال العميق يبقى: هل يمكن أن يساهم ذلك فعلًا في معالجة المشكلة، أم أنه مجرد رد فعل عاطفي بلا تأثير حقيقي؟
واقع العنف المسلح في أمريكا: أرقام مقلقة وسياسات متعثرة
تشهد الولايات المتحدة معدلات مرتفعة من حوادث إطلاق النار الجماعي، وتظل هذه الحوادث أكثر من مجرد أحداث نادرة تلفت الانتباه الإعلامي. وفق بيانات مستقلة، فإن البلاد تسجل أكثر من 300 حادثة إطلاق نار جماعي سنويًا، بما يتجاوز بكثير باقي دول العالم بالنظر إلى عدد السكان، ويشير ذلك إلى عمق الأزمة في الوصول إلى سياسات فعالة للحد من انتشار الأسلحة ووقف العنف المسلح.
هذه الحوادث ليست مجرد أرقام صماء، على سبيل المثال، هناك أحدث وقائع إطلاق نار في جامعة براون الذي أودى بحياة شخصين وأصاب تسعة آخرين بجروح في عام 2025. وحوادث أخرى متعددة مثل إطلاق نار في مركز تسوق بإنديانا أودى بحياة عدة أشخاص ولم يسفر عن اعتقالات فورية، مما يدل على الوتيرة العالية لوقوع هذه الجرائم، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
عرض صور الضحايا: بين التأثير النفسي والتحفيز السياسي
في السنوات الأخيرة، بدأت بعض وسائل الإعلام والمنظمات المناهضة للعنف المسلح في طرح صور الضحايا وملفاتهم الإنسانية كجزء من حملات توعية تهدف إلى تحريك المشاعر العامة نحو رفض العنف وقوانين الأسلحة المتساهلة. هذا النهج يسعى إلى بناء ضغط اجتماعي على المشرّعين من أجل تبني سياسات أكثر صرامة للحد من انتشار الأسلحة.
لكن التقييم العلمي والتحليلي لهذا الأسلوب ليس واضحًا. دراسات متعددة في أبحاث تغطية الإعلام لحوادث إطلاق النار تشير إلى أن الإعلام قد يلعب دورًا مزدوجًا: من ناحية يعرض الضحايا ليخلق تعاطفًا ودعمًا لإجراءات تشدد القوانين، ومن ناحية أخرى يمكن لنفس التغطية أن تعطي نوعا من (الشهرة) للمعتدين أو تؤثر بشكل غير مباشر على انتشار العنف عبر ما يعرف بـ تأثير النسخ أو التقليد في بعض الحوادث.
وكشف الخبراء أن التغطية الإعلامية المكثفة للحوادث العنيفة قد ترتبط أحيانًا بزيادة في تماثل السلوك العنيف عبر ما يُعرف “بتأثير التقليد”، حيث تغطي وسائل الإعلام تفاصيل الحادثة وصورة المعتدي ما قد تساهم في زيادة احتمالات وقوع حوادث مماثلة في الأيام التالية.
الجمهور والسياسيون: هل تتغير المواقف؟
على الصعيد السياسي والاجتماعي، تبقى ردود الفعل منقسمة. تشير دراسات علمية حديثة إلى أن حوادث إطلاق النار نفسها غالبًا لا تغير مواقف المشرّعين تجاه سياسات الأسلحة، حتى عندما تكون الحوادث مأساوية ومدمّرة. النتائج تشير إلى أن النواب ليسوا بالضرورة أكثر دعمًا لإصلاحات صارمة بعد وقوع حوادث جماعية، مما يعقّد مهمة من يسعون لإحداث تغيير عبر الضغط الرمزي فقط.
من ناحية أخرى، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز، توصلت دراسات أخرى إلى أن الشباب الذين نشأوا في أجواء تغذيها أخبار الحوادث والدراسات الإعلامية المستمرة يميلون إلى تأييد تشديد قوانين الأسلحة أكثر من الأجيال الأكبر سنًا، مما يشير إلى أن الجيل القادم قد يشكل قوة دافعة لإصلاحات حقيقية في المستقبل.
هل الصور كافية أم تحتاج لسياسات عملية؟
بينما يرى البعض أن عرض صور الضحايا وقصصهم قد يلمح إلى حقيقة مؤلمة لا يمكن تجاهلها وتخلق جانبًا إنسانيًا للنقاش، يرى آخرون أن هذا الأسلوب لا يمكن أن يحل المشكلة وحده. المجتمع العلمي يوصي بالجمع بين هذه التغطية الإعلامية وبين سياسات عملية قابلة للتطبيق مثل تشديد الفحوصات الأمنية على مشتري السلاح، قوانين التخزين الآمن، تحسين خدمات الصحة النفسية، وبرامج الوقاية في المدارس والمجتمعات.
ووفقا لصحيفة ميامي هيرالد، فإن النقاش حول ما إذا كان يجب عرض صور الضحايا يثير أسئلة أخلاقية مهمة: هل هذه الصور تساعد في تنبيه الجمهور إلى المأساة الحقيقية؟ أم أنها تغزو خصوصية العائلات وتزيد من الصدمة؟ هذا الجدل لا يزال مفتوحًا في الصحافة الأميركية والمجتمع المدني.
وتعلق مجلة نيوزويك بالقول: "يبقى عرض صور الضحايا في وسائل الإعلام إحدى الأدوات الرمزية في مواجهة أزمة العنف المسلح في أمريكا، لكنه لا يشكل حلًا شاملًا بحد ذاته. بينما يمكن أن يولّد تعاطفًا وموجة من الوعي، فإن تأثيره الحقيقي في تغيير السياسات يعود إلى تركيبته مع إجراءات عملية وتشريعات ملموسة تعالج أسباب العنف المسلح وجذوره الاجتماعية. والواقع أن النقاش لا يتعلق فقط بالمأساة الإنسانية، بل بكيفية تحويل هذا الوجدان الجمعي إلى سياسات حقيقية تضمن الأمان وحياة أكثر أمانًا للمجتمع الأمريكي".