الجمعة 27 نوفمبر 2020 الموافق 12 ربيع الثاني 1442
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

د. حسام فاروق يكتب: إعلام العنف والترهيب

الأربعاء 21/أكتوبر/2020 - 04:44 م
الرئيس نيوز
طباعة

مع الأيام نكتشف أن طباع الناس في مجتمعاتنا العربية تغيرت.. باتوا أكثر قسوة وغلظة و تغيرت سلوكياتهم للأسوأ.. وصار العنف مسيطرًا في شتى مناحي الحياة.. والغريب أن التقدم التكنولوجي الذي اجتاح جميع المجالات لم يستطع أن يخفف من حدة طباع الناس.. بل ربما على العكس.. كلما تقدمت المجتمعات زادت قسوتها و عنفها، السؤال: ما الذي تغير في الناس؟ هل تربيتهم أم قيمهم أم عاداتاتهم أم مصادر معلوماتهم أم كل ذلك؟.. أستطيع أن أقول و أنا مطمئن أن الإجابة: كل ماسبق.

 لم تعد وسائل التنشئة تلعب الدور المناط بها، فمن المفترض أن تكون الأسرة هي  المحطة الأولى التي يتلقى فيها الإنسان القيم وهو في مرحلة الطفولة، وهذه القيم كانت قديما  تؤسس على كظم الغيظ والحلم والقناعة، حتى لا يستخدم الإنسان العنف لأخذ ما في يد غيره، لكن المشكلة أن البيت لم يعد يقوم بوظيفته، وتركها للإنترنت والفضائيات و من ثم تغيرت القناعات والقيم  والطباع،  وتماهت الخطوط ما بين العيب والحرام والجرأة و انعدام الذوق، ومعظم مصادر المعلومات الآن قابلة للتشكيك.

سأحاول هنا أن ألقي الضوء على علاقة الإعلام بالعنف، حيث حظيت ظاهرة العنف في وسائل الإعلام على قدر كبير من اهتمام الباحثين في مجال الإعلام حول العالم، وهناك عشرات النظريات و مئات الدراسات والأبحاث تناولت دور وسائل الإعلام خاصة المرئي منها، وتأثير ما تبثه الشاشات في نشر ثقافة العنف، بين المشاهدين لاسيما في فئة الشباب، الأكثر قابلية للتأثر بما يبث من مشاهد دموية.

هناك شبه اتفاق بين هذه النظريات والدراسات على أن فئة المراهقين التي تجلس أمام الشاشات تكون هدف أساسي لعملية تعليمية يحاكون فيها  كل أشكال السلوك العنيف الذي تتضمنه المادة المعروضة، وبات في حكم المؤكد نجاح نظرية التطعيم أو التلقيح التي تقول أن التعرض المتواصل لجرعات العنف المقدمة عبر وسائل الإعلام يولد لدى المشاهد نوعا من التبلد وحالة من اللامبالاة، وعدم الإحساس تجاه نوع العنف المقدم، وبشكل غير مباشر يتقبل الجمهور هذا الوضع القائم.. ومن ثم فالإلحاح بمشاهد العنف في الإعلام يولد لدى المتلقي الاستعداد لارتكاب أفعال عنيفة نتيجة للإثارة المتوالية التي يتعرض لها، مثل أعمال الشغب والسرقة وارتكاب الجرائم، فالجمهور مثلما يمكنه اكتساب السلوك الحسن  فإنه قد يتعلم أشكال جديدة من السلوك العنيف عن طريق ملاحظة الشخصيات والأحداث والمشاهد التي تتناول ظاهرة العنف وتظهر في وسائل الإعلام، وخاصة التلفزيون في حال افتقدت المعالجة التليفزيونية لهذه الموضوعات للبعد النفسي.

وسأكون أكثر تحديدا في حديثي عن جانب محدد من الإعلام و هو ما تعرضه المادة الإخبارية وبرامج الجريمة والإرهاب و تغطية ذلك عبر برامج "التوك شو"، حيث أن السلوكيات العنيفة التي يتعلمها المشاهد في مرحلة الصبا  ليست قاصرة على ما تتضمنه الدراما من أفلام و مسلسلات، فالمادة البرامجية  قد تكون أكثر خطورة؛ نظرًا لأنها تتحدث عن واقع و يتم عرضه بطريقة تعتمد على التشويق لجذب المشاهد، من دون اعتبار لأي معيار قيمي آخر، فالسبق هو الأهم لصانع المحتوى الخاص بنزيف الدماء وأخبار الحروب والمعارك والأحداث الإرهابية والتفجيرات والصراعات في أنحاء العالم وقطع الرقاب ومشاهد الخراب والدمار والحرق.. كل هذه العناوين تلهث ورائها الفضائيات على مدار الساعة.

ولا شك أن تأثير العنف في وسائل الإعلام يبدأ منذ اللحظة الأولى التي يتعرض فيها المتلقي لأحد مشاهد العنف، بحيث يكون المشهد هو المدخل لعملية تمرير القسوة و اعتبار السلوك اعتياديا فيما بعد ولا نستغرب أن بعض جرائم العنف التي يرتكبها المراهقون قد يكون مرتكبوها استلهموا فكرتها من البرامج، فانتشار الجرائم الجديدة على مجتمعاتنا  وشيوع الرذيلة واستباحة الأعراض، وكثرة مشاهد العنف اللفظي، والتنمر والسب والتحقير كلها  نماذج تم تقديمها في البرامج بهدف معالجتها أو حتى تقديمها كأخبار، لكن مع الأسف المعالجات التليفزيونية لها في جانب كبير منها، بدلا من أن تتبني طريقة عرض وأسلوب مختلف واختيار ما يعرض و ما لا يعرض من لقطات؛ اعتمدت أسلوب أقرب  للدعاية لهذه الجرائم بهدف  الجذب، فلو أخذنا مثال لتغطية بعض القنوات الفضائية العربية للعمليات الإرهابية.

وفي السنوات الماضية نلاحظ تكرار في عرض صور الضحايا والأشلاء وهذه الصور تحقق هدفا نوعيا مهما للإرهابيين بأنها توجه رسالة ترهيب لمن لم يمتثل للإرهاب، ونتذكر في ذلك حديث الإرهابي أيمن الظواري أمير تنظيم القاعدة، حينما قال أن تغطية الإعلام للعمليات التي يقوم بها التنظيم يعتبر نصف النجاح لهذه العمليات، وتكمن الخطورة أيضا في إعادة تدوير هذه الدعاية  للجرائم عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي اقتحمت الحياة بلا رادع أو رقيب.

واجب الدولة الآن أن تنظر بعين جادة إلى العنف الذي يمرر في وسائل الإعلام  سواء بقصد أو بدون قصد وأن تفعِّل مهمة الرقابة على ما يعرض، وتحاسب  المسؤولين عن نشر تلك المشاهد وتداولها من خلال تشريع قوانين تجرم تلك الأفعال و وضع منظومة أخلاقية تحافظ على أخلاق المجتمع، وتصون قيمه وتقاليده ضد هذه الظواهر السلبية، ولا نقول نتوقف عن معالجة هذه القضايا في الإعلام المرئي و لكن يجب أن نكون أكثر حصافة و حكمة في التعامل مع هذه المادة  حتى لا نروج بطريقة غير مباشرة للعنف عبر الإعلام، علينا نبذ كل صور العنف وعدم تقبلها في أي حال من الأحوال، وصناعة وعي شعبي رافض لها.


ads
Advertisements
ads
ads
ads
ads