الخميس 01 أكتوبر 2020 الموافق 14 صفر 1442
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

تحولات السياسة التركية.. من «صفر مشاكل» لـ «صفر أصدقاء»

الأربعاء 12/أغسطس/2020 - 04:00 م
الرئيس نيوز
طباعة
Advertisements

كتبت سياسة أردوغان شهادة وفاة لما انتهجته تركيا على مدار عقود من خطوات دولية رصينة تجاه جيرانها، والتي رسخت من خلالها قاعدة «صفر مشاكل»، بينما قلب الرئيس التركي الأمر رأسًا على عقب، لتصبح تركيا صانعًا لكثير من الأزمات والصراعات في المنطقة وتتحول القاعدة لـ«صفر أصدقاء».

تحولت تركيا إلى خصم في العديد من الملفات الدولية، إذ تلعب أنقرة دور المشاغب على المسرح الإقليمي، وأصبحت دول الجوار لا تأمن خطوات أردوغان، الذي يخسر الجميع في الشرق والغرب في سبيل سعيه إلى إحياء السلطنة العثمانية، وبدأت الساحة الدولية تشهد بزوغ صداقات جديدة، ليست أنقرة طرفًا فيها، دفعت إلى تأسيسها الرغبة في التصدي لأطماع العثمانيين الجدد.

روسيا مستعدة لاحتواء تركيا

لا يزال تهديد اندلاع الحرب يلوح في الأفق على حدود أرمينيا، ولم تكن المعركة في منطقة تافوش في أرمينيا سوى حلقة واحدة فقط قد تتبعها حلقات أخرى، وأثبتت أرمينيا استعداد قواتها المسلحة للمعركة.

على الجانب الآخر أصر أردوغان على الاستخفاف بهذا الاستعداد، واصفًا انتصار أرمينيا على أذربيجان بأنه "صفعة تتجاوز قدرتها بكثير"، وبسبب الطائرات بدون طيار التي كان لها الفضل في توسيع نطاق مراقبة الجيوش، أخفق الجيش الأذربيجاني، الذي تفاخر بعتاده العسكري المتطور، في نشرها بشكل صحيح، وبالتالي أسقط الجانب الأرمني 13 طائرة بدون طيار، بالإضافة إلى إلحاق خسائر فادحة أخرى.

وتعتمد الحروب الآن أكثر فأكثر على التكنولوجيا المتقدمة للأسلحة وأنظمة المراقبة، بما في ذلك تصوير الأقمار الصناعية، وهو أمر بعيد عن متناول أرمينيا، وقالت صحيفة "ميرور سبكتاتور" الأرمينية أن هذا بالتحديد هو ما كان يتحدث عنه أردوغان الذي أطلق نهاية يوليو مناورات حربية ضمت القوات المشتركة لأذربيجان وتركيا على حدود أرمينيا، باستخدام الذخيرة الحية.

ورصد شهود عيان في أرمينيا طائرات حربية تركية على مسافة قريبة من بلدة يريفان، ورغم نفي هذه الأخبار من قبل مصادر حكومية، فإن نية الجانب التركي لتخويف أرمينيا واضحة للعيان.

لهذا السبب نصح المحلل السياسي "هاكوب باداليان" الشعب الأرمني  بالتحلي بقدر كبير من الرزانة للعيش مع التهديد التركي بالحرب، فيما عاد الرئيس الأذربيجاني "إلهام علييف" إلى نبرته العدوانية بعد هزيمته في تافوش.

وأعلن "علييف" بشكل قاطع النقاط السبع التي اقترحها رئيس الوزراء نيكول باشينيان، ودعا يريفان إلى سحب قواتها المسلحة من كاراباخ على الفور "قبل فوات الأوان"، وردًا على هذا التهديد، قال وزير الدفاع الأرميني "ديفيد تونويان": "متى سيكون الوقت تحديدًا؟ لأن قواتنا المسلحة جاهزة وتنتظر".

وفي الوقت الذي يتم فيه إطلاق هذا الخطاب الساخن من قبل جميع الأطراف، تقوم الدبابات بالانسحاب على حدود أرمينيا وتحلق الطائرات الحربية فوقها، مما يثير التساؤل حول ما إذا كانت تركيا ستهاجم أرمينيا أم لا.

 أخذت روسيا تحركات تركيا على محمل الجد وقدمت موعد المناورات الحربية الخاصة بها، والتي كان من المقرر عقدها في سبتمبر، لتجريها حاليًا على حدود أذربيجان بمشاركة 150 ألف جندي ورأس نووي كإنذار مباشر لتحركات تركيا.

وفي 28 يوليو، أعلن وزير الدفاع الأرميني "تونويان" أنه تم وضع القوات المسلحة الأرمينية في حالة تأهب قصوى وأن الوحدة العسكرية الروسية الأرمنية "تواصل باستمرار مراقبة وتحليل" الأنشطة العسكرية التركية الأذربيجانية "بكل وسائل الاستطلاع" المتاحة لها.

تمثيلية دبلوماسية

على الرغم من تحركاتها العدوانية وتهديداتها الصارمة، تحاول أنقرة إخفاء نواياها من خلال التحركات الدبلوماسية، إذ أشار "إبراهيم كالين"، المتحدث باسم الرئاسة التركية، إلى أن تركيا موجودة في "ناخيتشيفان" لدعم حليفتها أذربيجان وطمأن الجمهور بأن تحركات أنقرة لا تهدف إلى الإضرار بعلاقاتها مع موسكو.

وفي السياق نفسه، بادرأردوغان بالاتصال بالرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وخلال حديثهما "شدد بوتين على أهمية منع أي خطوات يمكن أن تؤدي إلى تصعيد التوترات".

وفي مقابلة أجريت معه مؤخرًا، أكد مدير مركز التحليل السياسي والعسكري في روسيا، ألكسندر خرامتشيخين، حقيقة أن القاعدة الروسية في أرمينيا تهدف إلى احتواء تركيا: "إذا اندلعت حرب بين البلدين".

قبرص واليونان

في أعقاب محاولة ألمانية لكبح طموحات أردوغان، وبعد استجابة شكلية لم تدم طويلاً، استأنفت تركيا التنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط ​​بعد أيام من إعلان الحكومة أنها ستؤجل عمليات المسح البحرية سعيا للتوصل إلى حل دبلوماسي مع اليونان.

ورصدت وكالة بلومبيرج تصريحات أردوغان، الجمعة الماضية، التي تضمنت قراره بإرسال سفينة أبحاث سيزمية للتنقيب المخالف للقانون مجددًا، بعد أن وقعت اليونان ومصر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.

وكرر أردوغان مزاعمه حول عدم التزام اليونان بالوعود التي أقنعت تركيا بتعليق العمل في الخارج، بينما بدأت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في التوسط.

وقالت بلومبيرج في تقريرها: "هذا التحول الأخير في الصراع في شرق البحر المتوسط يظهر تعقيدات ​​المهمة الضخمة التي تنتظر تركيا واليونان أثناء محاولتهما التفاوض للتوصل إلى حل يرضي الطرفين".

ونشأ الخلاف الأخير عندما قالت تركيا إنها ستقوم بمسح قاع البحر، في منطقة تتمسك اليونان بوقوعها في نطاق سيادتها، بسبب جزيرة كاستيلوريزو اليونانية القريبة، ويعتمد الجانبان على حجج قانونية مختلفة اختلافًا جوهريًا في البحر الأبيض المتوسط ​​وبحر إيجة.

وتجادل أنقرة بأنه يجب قياس الجرف القاري لأي بلد من البر الرئيسي، وأن المنطقة الواقعة جنوب الجزيرة اليونانية، على بعد بضعة كيلومترات من الساحل الجنوبي لتركيا، تقع ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة.

في المقابل؛ تتمسك اليونان بضرورة أخذ الجزر في الاعتبار عند تحديد الجرف القاري للبلد، بما يتماشى مع قانون الأمم المتحدة للبحار، مما يمنحها الحق الوحيد في المنطقة بغض النظر عن قرب الجزيرة من تركيا.

لماذا تعتبر فرنسا خصمًا لتركيا؟

على الرغم من أن فرنسا لديها الوسائل الكافية لعرقلة الطموحات التركية، سواء في الاتحاد الأوروبي وأفريقيا، فإن استراتيجيتها الحالية غالبًا ما تصب في مصلحة تركيا، وجاءت الجولة الأولى من المواجهة التركية الفرنسية بشأن ليبيا، على رأس خلاف الطاقة في شرق البحر المتوسط ​​، لصالح أنقرة.

وفي أوائل يوليو، انسحبت فرنسا الغاضبة من مهمة أمنية لحلف شمال الأطلسي في البحر الأبيض المتوسط ​​بعد عدم تحقيق الناتو في اتهامها فرقاطتين تركيتين بمضايقة سفينة حربية فرنسية، بينما كانت تسعى لتفتيش سفينة يشتبه في أنها تحمل أسلحة إلى ليبيا الشهر الماضي.

 ورجح موقع المونيتور الأمريكي أن المشكلة التي تواجه فرنسا في ليبيا تنبع من الوقوع في نفس الجانب مع روسيا، في حين تولي واشنطن الأولوية لمنع ترسيخ روسيا أقدامها في ليبيا.

واستغل أردوغان الماضي الاستعماري الفرنسي في إفريقيا، لمحاولة تعزيز جهود أنقرة الخاصة للانفتاح على القارة، وادعى أن فرنسا لاعب "مدمر" في ليبيا، مشيرًا إلى القيادة الفرنسية في تدخل الناتو عام 2011 في ليبيا.

الغريب أن أردوغان اتهم فرنسا بـ "دعم الإرهاب" بسبب دعمها لأكراد سوريا، وكانت شراكة واشنطن مع وحدات حماية الشعب على مستوى أكبر بكثير، لكن انتقاد أنقرة لواشنطن محفوف بالمخاطر ويدرك أردوغان ذلك جيدًا.

الميل التركي للتقليل من شأن نفوذ فرنسا خطأ، ورغم أن تحقيق الناتو لم ينصف فرنسا، فإن باريس كشفت عن المزيد من بطاقات اللعب في إطار الاتحاد الأوروبي، ودعت إلى عقد اجتماع في 13 يوليوالماضي،  لمناقشة تصرفات أنقرة في ليبيا وشرق البحر المتوسط ​​والنظر، ودعت إلى فرض عقوبات ضد أردوغان.

العراق وسوريا والعالم العربي

تواجه الدول العربية المنافسة الجيوسياسية المتزايدة من قبل إيران وتركيا على الأرض، خاصة مع إصابة الأيديولوجيات التقليدية مثل القومية العربية بالضعف والوهن، ما دعا صحيفة "وول ستريت جورنال" لتعلن في أحد تقاريرها، يوليو الماضي، أن "العالم العربي بحاجة لدعم أمريكا"، حيث تستثمر حكومة أردوغان بصفة خاصة في انتشار الفكر المتطرف والفوضى مستخدمة الاتهامات المعلبة لأعدائها بالإرهاب والاستبداد، في ظل أدلة دامغة على تورط أردوغان في الإرهاب والاستبداد حتى أذنيه.

ويعترف الكاتب التركي "طبرهان الدين دوران" في مقال نشرته صحيفة دايلي صباح التركية،  بأن أنقرة هرولت لملء فراغ السلطة المتزايد في محيطها، وبشكل خاص في البلدان غير مستقرة مثل سوريا والعراق، بل وأبعد من ذلك كما في حالتي ليبيا واليمن، في محاولة لإيهام واشنطن بأن التحركات التركية تخدم مصالح الولايات المتحدة.

ويرى الكاتب التركي أن تلك التحركات تبشر بتحول تركيا إلى لاعب إقليمي وعالمي،  مشيرًا لأن السياسة الخارجية التركية تقتنص الفرص ويزدهر دورها في أي مكان تطوله يد الفوضى التي يعدها جزءًا لا مفر منه من توازن القوى الجديد الذي تطمح أنقرة لترسيخه.

يلوم "دوران" على القوى اليقظة في العالم العربي حملتها المناهضة لتركيا ويدعي أن غرضها منع أنقرة من جني الفوائد الاستراتيجية، لتحركاتها الأخيرة في سوريا وليبيا وشرق البحر المتوسط.

 يقول "دوران" : " دعونا لا ننسى أن سياسة الرئيس التركي لا تعتمد على التوترات وحدها، يمكنه أيضًا التوفيق بين مصالح تركيا ومصالح الحلفاء وحتى إيجاد أرضية مشتركة مع خصومه".

ويتعجب المراقبون من عبارة الكاتب التركي الأخيرة، خاصة أن أردوغان فشل فشلاً ذريعًا في الاحتفاظ بحلفائه كما فشل بالتوازي في أن يبقِ لنفسه حليفًا، في ظل إخفاقاته المتكررة في التوصل إلى أي أرضية مشتركة مع خصومه المتزايدين يومًا بعد يوم وهو ما تؤكده معطيات الواقع على الأرض، لكن المؤكد أن الكاتب التركي بذل جهدًا مضاعفًا لكي يكتب كلماتٍ مضللة بالقدر الكافي ليطرب آذان أردوغان.

 

Advertisements
ads
ads
ads