الثلاثاء 04 أغسطس 2020 الموافق 14 ذو الحجة 1441
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

د.جودة عبد الخالق يكتب: مصر وكورونا.. ثالوث التحديات الوجودية

الأربعاء 08/يوليه/2020 - 07:27 م
الرئيس نيوز
طباعة
Advertisements
كيف نواجه كورونا مواجهة شاملة وفعالة؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تفرض علينا الانتباه إلى ثالوث التحديات الوجودية لمصر. فتحدى كورونا في حالتنا يضاف إلى تحديين آخرين هما سد النهضة وتغيرات المناخ، لتشكل معا “ثالوث التحديات الوجودية” لمصر. وفى هذا المقال نركز على تحدى كورونا، على أن نتناول التحديين الآخرين لاحقا. 
لقد جاءت جائحة كورونا كاشفة لمدى هشاشة نموذج الاقتصاد الريعى الذى اتبعته مصر على امتداد نصف قرن. فنتيجة لهذا النموذج، تم رهن مقدرات بلادنا بأربعة مصادر ريعية؛ ريع الموارد الطبيعية (نفط وغاز وسياحة)، وريع الموارد البشرية (تحويلات المصريين المغتربين)، وريع الموقع (قناة السويس)، و الريع الاستراتيجي (المساعدات والمنح المالية، خصوصا من الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج). وأهدرنا الزراعة (حتى ما ورثناه من محمد على) و الصناعة (حتى ما تركه لنا طلعت حرب)، وأهملنا التعليم والصحة.
أثبتت التجربة أن هذا النموذج لا يحقق التنمية المستدامة. بل إنه أدخل البلاد في دوامة من اتساع دائرة الفقر و تتابع موجات التضخم العاتية و التآكل المستمر لقيمة الجنيه المصرى و تراكم الدين الداخلى و الخارجي و تفاقم مشكلة البطالة. أصبحنا لا ننتج شيئا، بل نكتفى بعرض مواردنا الريعية للبيع في أسواق لا سيطرة لنا عليها. 
وبالتوازى، كان اللجوء المتكرر لمؤسسات بريتون وودز (البنك الدولى و صندوق النقد الدولى) بحثا عن مخرج من الأزمات تحت مسمى برامج الإصلاح الاقتصادى. ولنقارن حالنا بدولة مثل كوريا الجنوبية اتبعت نموذج الاقتصاد الانتاجى. فحتى منتصف الستينيات من القرن الماضى، كانت مصر تتفوق على كوريا الجنوبية في كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، والآن اصبحنا أقرب الى القاع وصاروا هم أقرب إلى القمة.ولعل فى هذه المقارنة الكثير من الدروس البليغة.
لقد وجهت جائحة كورونا ضربة شديدة لمصادرنا الريعية جميعا، و إن بدرجات متفاوتة. و أصبح الوضع الاقتصادى شديد الصعوبة بالنسبة للجميع: الحكومة والأسر والعمال ورجال الأعمال. فقد أدت الجائحة إلى تخفيض إلايرادات العامة وزيادة النفقات العامة في وقت واحد، مما يعنى زيادة عجز الموازنة العامة للدولة. 
كما تهاوت إيراداتنا من النقد الأجنبي وانخفض الاحتياطى لدى البنك المركزى وارتفعت البطالة وزادت الأسعار، ولابد أن ندرك أنه لو كان النموذج الاقتصادى الذى اتبعناه هو النموذج الإنتاجى بدلا من النموذج الريعى، لكان تأثير جائحة كورونا على اقتصادنا و مجتمعنا أقل حدة بكثير مما هو الآن. هذه نقطة جوهرية. 
ولذلك، فالحكمة تقضى بأن نتخلى عن المسار الاقتصادى على طريق النموذج الريعى. و هذا يستدعى مراجعة جذرية للسياسات في مختلف المجالات.
ما هو سبيلنا إذن لمواجهة تداعيات جائحة كورونا؟ أمامنا على الأقل بديلان. الأول، وهو ما اختاره المسئولون بالفعل، هو إتخاذ إجراءات إحترازية لدرء خطر فيروس كورونا على الاقتصاد وحياة الناس، و تقديم مدفوعات تعويضية للمتضررين ثم التعايش معه انتظارا لعودة الأمور إلى سابق عهدها (أي استئناف النشاط الاقتصادى و الاجتماعى على مسار النموذج الريعى). و بالفعل حصلت الحكومة على تمويل من صندوق النقد الدولى في إطار “أداة التمويل السريع- RFI” بقيمة 2.77 مليار دولار لمواجهة الاحتياجات العاجلة لميزان المدفوعات و كذلك مواجهة الانفاق الضرورى لمساندة بعض القطاعات الاقتصادية والفئات الاجتماعية المتضررة من الجائحة. 
وحصلت مؤخرا على 5.2 مليارات دولار أخرى من الصندوق في إطار ترتيبات المساندة مقابل الالتزام بإجراء إصلاحات هيكلية لم تعلن تفاصيلها. كما قامت مؤخرا بطرح سندات في الخارج بآجال متفاوتة بلغ مجموعها 5 مليارات دولار. وهذا معناه زيادة الدين الخارجي عن مستواه الحالي المرتفع أصلا.
وفي تقديرى أن اللجوء إلى التمويل خارجى لمواجهة تداعيات كورونا لا يتناسب مع خطورة الوضع. فهو ربما يحل مشكلة السيولة على المدى القصير، لكنه يفاقم الوضع الاقتصادى برمته على المدى الطويل. والمطلوب هو إتخاذ ما يلزم من إجراءات فى توقيتات وآجال محددة لمواجهة ثالوث التحديات الوجودية المتمثلة في كورونا والتغيرات المناخية و سد النهضة. و هذا يقودنا إلى البديل الثانى، أي التخلي عن نموذج الاقتصاد الريعى والقيام بتعديلات جذرية على النسق الاجتماعى الاقتصادى السياسى بما يجعل هذا النسق أكثر صلابة في مواجهة الصدمات الخارجية أيا كانت، وللأسف، فإن المساحة المتاحة لنا هنا تحول دون الدخول في التفاصيل، ولذلك سنكتفى بأمهات المسائل.
وبمراجعة الوثائق الأساسية التي تعكس سياسات الحكومة في المجالات المختلفة (مثل مشروع الموازنة العامة للدولة وخطة التنمية) نلاحظ أنها تتجاهل ثالوث التحديات الوجودية تماما. ولا بد أن يعاد النظر فيها. فمشروع الموازنة العامة للدولة 2020/21 المقدم إلى مجلس النواب لم يرد به أي ذكر لتداعيات كورونا و تأثيره على الوضع المالى للبلاد، رغم الإجراءات التي إتخذت بالفعل تنفيذا لتوجيهات رئاسية. 
كما أن الخطة متوسطة المدى للتنمية المستدامة 2018/19-2021/22 التي من المفترض أنها تحدد التوجهات الأساسية لاقتصاد البلاد قد وُضِعت قبل اندلاع كورونا ولا تتضمن شيئا للتعامل مع الطرفين الآخرين في ثالوث التحديات الوجودية، وتحتاج إلى مراجعة شاملة في ضوء هذا الثالوث. وسنتناول هنا الخطوط العريضة للسياسات المطلوبة للمواجهة الفعالة لتداعيات فيروس كورونا المستجد على مصر.
أولا: اتضح من جائحة كورونا الأهمية البالغة لتغيير النظرة إلى قطاع الصحة. فالخدمات الصحية ليست سلعة خاصة يتم تقديمها من خلال قوى السوق طبقا لمنطق المكسب و الخسارة. بل هى في المفهوم الاقتصادى الصحيح سلعة عامة، ويجب توفيرها للجميع وعلى قدم المساواة كجزء أساسى من دور الدولة. و يحدد دستور 2014 معايير تقديم هذه الخدمة وحدود التمويل اللازم لها.
ثانيا: يبلغ معدل الأمية الأبجدية في مصر 26%، و هو معدل شديد الارتفاع مقارنة بنظرائنا في المستوى الاقتصادى، ناهيك عن الأمية الوظيفية و تراجع مستوى التعليم ( تؤكد التقارير الدولية ذات العلاقة أن مصر ترتيبها 101 من بين 144 دولة في مؤشر التعليم). وقد تبين من تداعيات كورونا الخطورة البالغة لانتشار الأمية في المجتمع؛ حيث يصعب توجيه الرسائل المتعلقة بالإجراءات الاحترازية الى المواطنين وضمان التزامهم بها بدقة. أضف إلى ذلك تدنى مستوى النظافة الشخصية والنزعة التواكلية في النظر إلى مخاطر العدوى بالفيروس (خليها على الله). و كلها ظواهر مرتبطة بتدنى التعليم وتفشى الأمية. وتبقى نصوص دستور 2014 ذات العلاقة في حاجة إلى تفعيل حقيقى.
ثالثا: كشفت جائحة كورونا عن اضطراب سلاسل الامداد العالمية، فضلا عن اتجاه الدول المصدرة للغذاء لوضع قيود على تصدير السلع الغذائية الاستراتيحية (مثل الحبوب) و جعل الأولوية لاحتياجاتها المحلية. هذا يضع الدول المستوردة للحبوب وفى مقدمتها مصر في موقف حرج، لولا تزامن موسم حصاد القمح عندنا مع إندلاع وباء كورونا.
 فمصر تعتمد على الخارج لتأمين أكثر من نصف احتياجاتها من الغذاء. وهذا وضع مثير للقلق من زاوية الأمن القومى، خصوصا في ظل التغيرات المناخية ومخاطر سد النهضة. نحن بحاجة إلى وضع قضية الأمن الغذائي في مكانها الصحيح بين أولوياتنا الوطنية.
رابعا: تستلزم صلابة اقتصادنا في مواجهة الصدمات الخارجية تعديل السياسات وزيادة الاستثمارات في قطاعى الزراعة و الصناعة بعد أن تراجع الاهتمام بهما تراجعا شديدا على امتداد نصف القرن الماضى. فهذا التوجه الاستراتيجي يضمن حل مشكلات الفقر والتضخم والأمن الغذائي ويحافظ على قيمة الجنيه- أهم رمز لاستقلالنا الاقتصادى.
Advertisements
ads
ads
ads