الأحد 01 نوفمبر 2020 الموافق 15 ربيع الأول 1442
رئيس التحرير
شيماء جلال
Advertisements

سد النهضة.. الكابوس الذي يهدد 110 ملايين مصري بالعطش (تحليل)

الإثنين 09/مارس/2020 - 01:27 م
الرئيس نيوز
باهر عبد العظيم
طباعة

- 56 مليار متر مكعب من مياه النيل مهدرة في المستنقعات وأثيوبيا لا تتعاون مع مصر في منعها

- الطبيعة الطبوغرافية للهضبة الإثيوبية تجعل موقع السد خطرًا على بنيته

- منذ منتصف التسعينيات ومليس زيناوي يدشن مشروعًا قوميًا يجعل من بناء سد النهضة عنواناً له

- لجنة دولية حظرت من غياب معامل آمان السد زمن تداعياته السلبية على مصر والسودان

- أمريكا هي أول أدخلت فكرة السدود في العقلية الأثيوبية منذ الستينيات نكاية في عبد الناصر

 

بدا أن مصر ذات الـ110 ملايين نسمة ستواجه خلال الصيف المُقبل – الموعد الذي حددته أثيوبيا للبدء في ملء خزان سد النهضة -  تحديات وجودية؛ لكون مصدر المياه الرئيس لديها "نهر النيل" بات مهددًا بسبب التعنت الأثيوبي والتملص من جميع الالتزامات سواء القانونية المُمثلة في اتفاق المبادئ من جهة، والقانون الدولي المنظم للأنهار الدولية من جهة أخرى، فضلًا عن عدم إلتزامها بمخرجات جلسات التفاوض الأخيرة التي كانت بمراقبة أمريكية رفقة البنك الدولي.

وتخشى مصر من التداعيات السلبية عليها جراء بناء سد النهضة المائي، إذ أن بناءه من دون التوصل لاتفاق يضمن التشغيل والملء العادلين، سيُخفض من حصة مصر السنوية من مياه النيل، المقدرة بـ55 مليار متر مكعب من المياه، إلى 30 مليار متر مكعب، ما يعني خسارتها لنحو ثلث حصتها من المياه بمقدار 25 مليار متر مكعب، فضلًا عن غياب معامل الآمان للسد ما يهدد دولتي المصب بالغرق.

وتسعى مصر لإلزام أثيوبيا بالتوقيع على اتفاق قانوني، يضمن لدولتي المصب (مصر والسودان) التأكد من السلامة الإنشائية للسد؛ خوفًا من انهياره تحت أي من العوامل الطبيعية والبيئية، كما يضمن الاتفاق المُلزم لأديس أبابا بعدالة التشغيل والملء، خاصة في سنوات الجفاف والجفاف الممتد.

وعن هذين البندين تخوض مصر منذ نحو 5 سنوات مفاوضات مضنية مع أثيوبيا في محاولة للوصول إلى اتفاق بخصوصهما، لكن الأخيرة دأبت على المماطلة والتسويف وهو ما عطل التوقيع على الاتفاق الذي حررته أمريكا والبنك الدولي بوصفهما جهتين مراقبتين لنحو 9 جلسات من المفاوضات، وببرت أديس أبابا موقفها الرافض من التوقيع بأن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة.

مياه مهدرة

تقول الباحثة في مركز "الأهرام للدراسات الاستراتيجية"، أماني الطويل، إن العلاقات المصرية الإثيوبية تدخل نفقاً صعباً خلال الفترة الحالية؛ وبررت ذلك بالقول إن أديس أبابا لديها مرتكزات فكرية تصور لها أنها من تمتلك مبدأ السيادة المُطلقة على نهر النيل، واصفة التصور بـ"المخالف" لمحددات القانون الدولي للأنهار المشتركة.

لفتت الطويل خلال تحليل لها نشره موقع "إندبندنت عربية" يحمل اسم " سد النهضة... 9 سنوات من التفاوض"، أن الموقف الأثيوبي يتجاهل حقيقة أن نهر النيل هو نهر مشترك يجري بـ11 دولة أفريقية، وفي مساحة تقدر بـ3 ملايين كيلو متر، أي عشر مساحة القارة الأفريقية ذاتها.

أشارت الباحثة إلى أن أثيوبيا وفق هذه المرتكزات الخاطئة، لا تتفاعل مع الأطروحات المصرية التعاونية، التي تستهدف السعي إلى تنمية متوازنة في حوض النيل الأزرق بين مصر والسودان وإثيوبيا، وزيادة الموارد المائية لنهر النيل، وهي الموارد المهدورة في المستنقعات على طول مسار النهر والمقدرة بـ56 مليار متر مكعب من المياه.

 

الطبيعة تأبى

تشير الباحثة في مركز الأهرام، إلى أن الطبيعة الطبوغرافية للهضبة الإثيوبية، تحول دون تحقيق حلم أثيوبيا في الاستحواذ المنفرد على مياه النيل، ومع ذلك تتجاهل ذلك الأمر.

تقول أماني الطويل: "تتجاهل أديس أبابا الطبيعة الطبوغرافية للهضبة الإثيوبية التي جعلت الاستفادة من المياه فيها أمراً صعباً على المستوى التاريخي".

كانت دراسات أعدها نائب رئيس المركز الإقليمى لعلوم وتكنولوجيا الفضاء بالأمم المتحدة، وممثل مصر بالمركز، علاء النهرى، ونشرت في أواخر العام 2018، كشفت عن وجود معوقات خطيرة أمام اكتمال بناء سد النهضة الإثيوبى، بناء على رصد حديث بالأقمار الصناعية لجسم السد. وتزامن نشر تلك الدراسات مع حديث رئيس الوزراء الأثيوبي، أبي أحمد، عن وجود سلبيات تعيق بناء السد، لكنه لم يكشف عن طبيعتها.

أشارت الدراسات إلى أن نماذج الارتفاعات الرقمية التى تظهرها صور الأقمار الصناعية عالية الجودة، بجانب موقع السد ونوعية الصخور الموجودة على جانبيه، توضح أنه مع مقارنة نماذج الارتفاعات مع الخريطة الجيولوجية لإثيوبيا لدراسة نوعية الصخور على الجانبين، تبين أن جانبى السد يقعان بين نوعين مختلفين من التلال.

الأول "التل الأيمن" وهو من صخور الجرانيت التكتونى، "الجرانوديورايت". والثانى "التل الأيسر"، وهو من الصخور المتحولة مثل كلوريت الأردواز "أمفيبوليت" و"تلك شيست" و"شيست حيوى" و"جرافيت كوارتز".

ووفق الدراسة فهذه الصخور رسوبية التكتل والحجر الرملى، كما أن من صفاتها الانقسام والتورق وسهولة التحلل ما قد ينتج عنه تسرب المياه وتآكل ونحر الصخور وتكوين الرمل والطين. كما أن صور الأقمار الصناعية تُبين أن هناك منخفضاً طبوغرافياً أمام موقع السد، وهو منخفض مساحته كبيرة، وهو ذو تأثير خطير على جسم السد فى حالة امتلائه؛ بما يحمله من حمولة الرواسب المقبلة من أعالى النهر.

وتقول الدراسة: "عندما يمتلئ هذا المنخفض ينحدر كل من الماء والرسوبيات المعلقة بقوة شديدة تجاه السد، ويزداد الضغط الهيدروليكى على جدران السد مما يشكل خطراً هائلاً".

كانت الخارجية المصرية كشفت في أحد بياناتها أنها تضامنت مع السودان في ضرورة تضمين الاتفاق النهائي مع أثيوبيا بشأن السد مادة تسمح بإجراء دراسات على موقع البناء؛ وكيف أنه من المحتل أن يكون ذلك الموقع غير ملائم للسد. ويحذر مراقبون من أنه حال تعرض جسم السد إلى تصدع والانهيار ستغرق العديد من المدن السودانية وعلى رأس تلك المدن العاصمة الخرطوم.

 

نتائج مرعبة

تتطرق الباحثة أماني الطويل، إلى نتائج تقرير اللجنة الدولية، التي تم الاتفاق بين (مصر وأثيوبيا والسودان) على تشكيلها، وكانت عضويتها من خبيرين من السودان، ومثلهما من مصر، وأربعة خبراء دوليين في مجالات هندسة السدود وتخطيط الموارد المائية والأعمال الهيدرولوجية والبيئية والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية للسدود من ألمانيا وفرنسا وجنوب أفريقيا.

تقول الطويل: "خلصت هذه اللجنة إلى تقرير شامل في مايو 2013، به تحفظات واضحة تتعلق بسلامة السد والتأثيرات الاجتماعية والاقتصادية على الفئات الفقيرة في مناطق إنشاء السد، وتحفظات تتعلق بتأثيره على الموارد المائية لدولتي المصب وقلة تدفق المياه إليهما، وقال تقرير اللجنة إن هذه الأمور تحتاج إلى مزيد من الدراسات التفصيلية من جانب الحكومة الإثيوبية لمنع الآثار السلبية للسد".

تشير الباحثة إلى أن أثيوبيا رفضت نتائج التقرير وتعلقت المباحثات بين الأطراف حتى تم لقاء بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي هيلي ديسالين في مالابو، حيث اتفقا أن تتم المباحثات تحت رعايتهما الشخصية في مايو 2014.

 

لماذا التوتر؟

تجيب الباحثة أماني الطويل عن التساؤل عن أسباب التوتر والفتور اللذان ينتابان العلاقات "المصرية الأثيوبية".

تقول: "في تقديرنا، فإن الرؤية الإثيوبية لمصر لا تخلو من تأثير عاملين؛ الأول متعلق بتوظيف إثيوبيا تاريخياً من جانب منصات المصالح الدولية والإقليمية في أدوار داعمة لهذه المصالح بغض النظر عن المصالح الأفريقية الشاملة خصوصا لدول حوض النيل".

تعزز الباحثة رأيها بالقول إن الطموحات الإثيوبية في بناء السدود، في أساسها فكرة الولايات المتحدة الأميركية، وأنها بدأت منذ ستينيات القرن الماضي على خلفية عدائها للمشروع الناصري.

تضيف الطويل قائلة: "أما الأمر الثاني فهو مصري بامتياز، حيث أهملت الأخيرة مصالحها وعلاقتها الأفريقية لوقت ليس بالقليل، وافتقدت البيروقراطية المصرية مهارات التعامل الصحيح مع هذا الملف في ضوء تراجع معرفي كان واضحاً، خصوصاً في ضوء غياب الرؤى الاستباقية والاستراتيجية للنهر التي تميزت بهما كل من فترتي حكم كل من محمد علي وجمال عبد الناصر".

تابعت الباحثة قائلة: "في أواخر فترة نظام الرئيس مبارك، بلغ الضعف البنيوي عدم القدرة على ملاحظة صعود مشروع قومي إثيوبي منذ منتصف التسعينيات على يد مليس زيناوي، وهو المشروع الذي اتخذ من سد النهضة عنواناً له حتى اللحظة الراهنة".


محاولة 2010

كشفت الباحثة أماني الطويل، عن أن الجانب الأثيوبي أخطر مصر في ربيع 2010، بالرغبة في بناء سد كانت مواصفاته وقتذاك إنشاء بحيره خلفه؛ تسمح بتخزين 14 مليار متر مكعب فقط من المياه، وهي البحيرة التي تتحدث أثيوبيا حاليًا أنها ستكون بسعة 74 مليار متر مكعب من المياه.

توضح الطويل ان الأخطار استلمه حينذاك رئيس المخابرات المصرية، اللواء الراحل عمر سليمان، وهو ما رد عليه بالرفض المطلق، إلا أن أثيوبيا لم تأبه بذلك الرفض وشرعت في تسوية الأرض بمنطقة السد، خلال مايو 2010.

تابعت الطويل: "وجدت إثيوبيا مع ما أعقب ثورة يناير من سيولة للنظام السياسي المصري، فرصة تاريخية لتعظيم مكاسبها فقفزت بحجم تخزين المياه في بحيرة سد النهضة ليصل إلى خمسة أضعاف بحجم 74 مليار متر مكعب". 

عرض مصري

تفيد الطويل في تحليلها، إلى أن مصر اعتمدت في منهجها التفاوضي على فلسفة عدم الممانعة في تشييد وملء وتشغيل سد النهضة كأداة للتنمية الاقتصادية الإثيوبية بشرط عدم الإضرار الجسيم بحصة مصر المائية ومكتسباتها التاريخية. وهي الحصة المؤثرة في حالة التنمية والاقتصاد بمصر بشكل مباشر.

تتابع الباحثة: "في هذا السياق قدمت مصر مقترحاً متكاملاً لإثيوبيا في جلسة المباحثات الأخيرة بالقاهرة مطلع أكتوبر 2019، استخدم فيها الخبراء المصريون أحدث النماذج الرياضية في سياسة ملء وتشغيل سد النهضة، طبقا للتصرفات المائية وحالة الفيضان ومعادلات التدفق المائي في 100 سنة، بهدف الموازنة بين التنمية الاقتصادية الإثيوبية وبين قدرة مصر على استيعاب الآثار السلبية لهذه التنمية على شتى أشكال الحياة والسلام الاجتماعي والتنمية الاقتصادية المصرية.

كما تضمن العرض المصري، الأخذ بعين الاعتبار حالة الفيضانات (عالية ومنخفضة ومتوسطة)، بما لا يقلل من الكهرباء المتوقع توليدها من سد النهضة إلا في أضيق الحدود، كما قبل المفاوض المصري بنقص أكبر من كهرباء السد العالي، لكن مع الحفاظ على مستوى بحيرة السد، بحيث لا يقل عن 165 مليار متر مكعب من المياه، مع تحمل نقص 5 مليارات متر مكعب سنوياً من الحصة المائية المصرية.

تقوال الطويل: "للأسف رفضت إثيوبيا هذه الورقة الفنية في أكتوبر 2019، وأعلنت مصر عدم جدوى التفاوض، وأن العملية برمتها دخلت في طريق مسدود، وهو ما استدعى السعي المصري في اللجوء إلى أطراف دولية مرة أخرى".

 

لماذا أمريكا؟

تشير الباحثة إلى أن مع تعثر المفاوضات مع أثيوبيا، اختارت القاهرة كلاً من الولايات المتحدة الأميركية والبنك الدولي، ليكونا مراقيبن للمفاوضات. وقالت الطويل: "الاختيار كان بناء على عدد من المحددات، منها قدرة الطرف الدولي على الضغط على الجانب الإثيوبي، وهو شرط متوافر لواشنطن التي تدعم إثيوبيا سياسياً ومالياً على المستوى التاريخي".

تتابع الطويل: "أما ما يرتبط بضمان سلامة المنشآت الهندسية على مجاري الأنهار ومتطلبات أن يكون السد متمتعاً برقم معامل أمان محققاً للأمن الإنساني للدول الثلاث، فهو شرط متوافر لخبراء البنك الدولي الضالع في ملف دول حوض النيل عبر مبادرة حوض النيل التي توفر تفاعلاً بين دول الحوض وتمويلاً من البنك الدولي للمشروعات المائية".

في هذا السياق دخلت كل من الولايات المتحدة والبنك الدولي كراعيين للمباحثات التي جرت بعض جلساتها في واشنطن، كما تم وضع سقف زمني للتفاوض محدد بثلاثة شهور، وبتسع جلسات فقط تعقد بالتناوب بالعواصم الثلاث ينتهي منتصف يناير 2020، ولكن هذا السقف تمدد بدوره ليصل إلى منتصف فبراير.

بعدما تم التوصل بالفعل إلى مسودة اتفاق كان من المفترض أن يتم التوقيع عليها من جانب الأطراف الثلاث نهاية فبراير، وهي الجلسة التي لم تحضرها إثيوبيا، وأعلنت بعدها عن إقدامها على خطوة التخزين المائي في بحيرة السد يوليو المقبل، بل وأقدمت على التراشق العلني مع الإدارة الأميركية، في وقت أقدمت القاهرة على توقيع الاتفاق المتفق عليه بالأحرف الأولى في واشنطن، وهي خطوة أفقدت الجانب الإثيوبي القدرة على المناورة وحصلت على استحسان أميركي.

ads
Advertisements
ads
ads
ads