الذكاء الاصطناعي يشعل خلافات في الأمم المتحدة.. جوتيريش يحذر وترامب يرفض السيطرة العالمية
في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، لم يكن الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية جديدة يناقشها الخبراء، بل تحول إلى قضية سياسية وأمنية وإنسانية احتلت موقعا متقدما في كلمات قادة العالم خلال افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة، وفقا لصحيفة واشنطن بوست.
وفي 22 سبتمبر، ظهر خلاف واضح في طريقة توصيف مستقبل الذكاء الاصطناعي وإدارته. ففي الوقت الذي حذر فيه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش من تسليم القرارات المتعلقة بالحياة والموت إلى الآلات، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن "الذكاء الخارق"، ورفض ما وصفه بمحاولات إقامة منظومة عالمية للسيطرة على الذكاء الاصطناعي.
جوتيريش: لا تتركوا قرارات الحياة والموت للآلات
افتتح جوتيريش النقاش برسالة تحذيرية وضع فيها الذكاء الاصطناعي ضمن مجموعة من التحولات الكبرى التي تعيد تشكيل ميزان القوة في العالم. وقال في خطابه أمام الجمعية العامة إن الذكاء الاصطناعي يتحرك بسرعة تجاوزت حتى قدرة من صنعوه على استيعاب تداعياته، داعيا إلى وضع ضمانات إضافية وتطوير شروط للاستخدام المسؤول لهذه التكنولوجيا.
وكان التحذير الأكثر وضوحا متعلقا بالأسلحة ذاتية التشغيل. فقد دعا جوتيريش إلى ألا تسند قرارات الحياة والموت إلى الآلات، مستخدما تعبير "الروبوتات القاتلة" للتأكيد على المخاوف المرتبطة بأنظمة قادرة على اختيار أهداف أو تنفيذ عمليات عسكرية بدرجة متزايدة من الاستقلالية.
وتأتي هذه الدعوة في وقت يتزايد فيه النقاش الدولي حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية، في ظل تسارع قدرات الأنظمة التي يمكنها تحليل البيانات واتخاذ قرارات وتنفيذ مهام مع تدخل بشري محدود.
ترامب: الذكاء "خارق" وليس مشكلة تحتاج إلى سيطرة عالمية
بعد أقل من ساعة من كلمة جوتيريش، قدم ترامب تصورا مختلفا لطريقة التعامل مع التكنولوجيا. فقد رفض الرئيس الأمريكي ما وصفه بمحاولة إنشاء "مخطط عالمي" للتحكم في الذكاء الاصطناعي، وقال إن الولايات المتحدة لا تقبل هذا النوع من التنظيم الدولي، بينما استخدم تعبير "الذكاء الخارق" بدلا من الذكاء الاصطناعي، معتبرا أن المصطلح الجديد أكثر دقة في وصف التكنولوجيا المتقدمة.
كما شكك ترامب في التحذيرات التي تتوقع نتائج كارثية من الذكاء الاصطناعي، وربطها بتحذيرات سابقة بشأن تغير المناخ، قائلا إن هناك من يكرر الحديث عن نهاية العالم مع كل تقنية أو أزمة جديدة.
وبذلك ظهر الخلاف داخل الجمعية العامة ليس فقط حول كيفية تنظيم الذكاء الاصطناعي، بل حول الطريقة التي ينبغي أن ينظر بها العالم إلى مخاطره المحتملة: هل هو تكنولوجيا يمكن السيطرة على مخاطرها عبر قواعد وضمانات، أم مجال جديد يجب أن يظل مفتوحا أمام التطوير والمنافسة؟
تقرير أممي جديد يضيف طبقة أخرى إلى النقاش
جاء هذا السجال السياسي في ظل تحذيرات علمية أممية من أن الاستخدام السريع وغير المنضبط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى أضرار واسعة، تشمل الصحة النفسية، والأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، فضلا عن استخدام التكنولوجيا كأداة تدميرية وتحديات السيطرة على الأنظمة شديدة القوة.
وكان جوتيريش قد دفع في 2025 نحو إنشاء أول هيئة علمية عالمية تابعة للأمم المتحدة تختص بالذكاء الاصطناعي، في محاولة لتوفير قاعدة علمية مشتركة يمكن للحكومات الاعتماد عليها عند مناقشة المخاطر والسياسات.
لكن المشكلة التي تواجه أي محاولة لوضع قواعد عالمية هي أن الذكاء الاصطناعي أصبح في الوقت نفسه ساحة للمنافسة الاقتصادية والتكنولوجية والاستراتيجية، خصوصا بين الولايات المتحدة والصين.
أوروبا تبحث عن قواعد مشتركة
في المقابل، تحدث عدد من القادة الأوروبيين عن ضرورة إيجاد قواعد مشتركة للتعامل مع التكنولوجيا. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن العالم يجب ألا ينتظر حتى تظهر النتائج السلبية قبل التحرك، مشيرا إلى ضرورة حماية الأطفال والشباب، كما دعا إلى تطوير قدرات أوروبية مستقلة في مجال الذكاء الاصطناعي حتى لا تصبح الدول رهينة لأحد المراكز الكبرى للقوة التكنولوجية.
أما الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، فشدد على أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في العلم والاقتصاد والسياسة والأمن وحتى مفهوم الإنسانية نفسه، داعيا إلى إبقاء الإنسان في موقع القيادة عند التعامل مع هذه التكنولوجيا.
وعن بريطانيا، تحدث رئيس الوزراء آندي بورنهام عن العمل من أجل مجموعة واحدة من المبادئ والمعايير العالمية التي تسمح بالاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي مع تقليل مخاطره، مع الإشارة إلى أن هذا الملف سيكون ضمن أولويات رئاسة بريطانيا لمجموعة العشرين في 2027.
الخلاف الحقيقي "الروبوتات القاتلة"
وراء المصطلحين اللذين تصدرا النقاش في الأمم المتحدة، توجد قضية أكبر: من يضع قواعد الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن التأكد من أن الأنظمة شديدة القوة تظل قابلة للسيطرة؟
وكان جوتيريش قد قال قبل اجتماعات الجمعية العامة إن العالم يحتاج إلى فهم مشترك لكيفية تطوير الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة ومسؤولة، مع تحديد الحالات التي تستدعي فيها الأنظمة الأكثر قوة ضمانات إضافية.
وفي المقابل، ترى الإدارة الأمريكية أن فرض منظومة عالمية واسعة للسيطرة على الذكاء الاصطناعي قد يعرقل التطوير الأمريكي في مواجهة المنافسة الصينية. وهذا يضع القضية عند تقاطع الأمن القومي والاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة الدولية.
مجلس الأمن يدخل على الخط
لم يتوقف النقاش عند الجمعية العامة. فقد أدرج مجلس الأمن الدولي جلسة رفيعة المستوى حول الذكاء الاصطناعي في جدول أعماله في 23 سبتمبر، بمشاركة أسماء بارزة من قطاع التكنولوجيا، بينهم الرئيس التنفيذي لشركة أوبن إيه آي سام ألتمان والرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أمودي، إلى جانب كليمنت ديلانج من شركة هاجينج فيس.
وتكتسب الجلسة أهمية خاصة لأن فرنسا، التي تتولى رئاسة مجلس الأمن خلال سبتمبر، دفعت باتجاه مناقشة تأثير الذكاء الاصطناعي في السلم والأمن الدوليين.
وهكذا انتقل الذكاء الاصطناعي من كونه ملفا تقنيا واقتصاديا إلى قضية تناقشها المؤسسات الدولية باعتبارها مرتبطة بالأمن والسيادة والتوازن العالمي.
معركة المصطلحات تخفي سباقا أكبر
في الأمم المتحدة، ظهرت صورتان مختلفتان للمستقبل. جوتيريش تحدث عن ضرورة وضع حدود وضمانات قبل أن تتجاوز التكنولوجيا قدرة البشر على التحكم فيها، بينما ركز ترامب على إمكانات ما وصفه بالذكاء الخارق ورفض إنشاء منظومة عالمية للسيطرة على التكنولوجيا.
وبين الرؤيتين، تحاول دول أخرى البحث عن صيغة تجمع بين الابتكار والضوابط، في وقت تتسابق فيه الحكومات والشركات على تطوير أنظمة أكثر قدرة.