هل تريد إثيوبيا امتلاك «مفاتيح النيل»؟ تحذير من تحول المياه إلى سلاح جيوسياسي
حذرت مجلة "يوروآسيا ريفيو"، المتخصصة في الشؤون الجيوسياسية، من مسار تتخذه أديس أبابا يهدف إلى تحويل نهر النيل من مورد مشترك بين دول الحوض إلى ورقة ضغط جيوسياسية تُدار من طرف واحد فقط. المقال يفكك الخطاب الإثيوبي المتصاعد حول ملكية مياه النيل، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل أحد أقدم النزاعات المائية في العالم.
"مفاتيح النيل الأزرق في يدنا".. جملة أشعلت الجدل
وحذرت المجلة من خطاب خطير حمله تصريح رسمي لافت لوزارة المياه الإثيوبية، وصفت فيه بلادها بأنها تملك "مفاتيح نهر أباي"، في إشارة إلى الاسم المحلي المتداول للنيل الأزرق داخل إثيوبيا.
هذه العبارة ليست زلة لسان عابرة أو تصريحًا عفويًا، بل امتداد طبيعي لخطاب سبقتها إليه تصريحات وزارية سابقة طالبت صراحة بأن تدفع مصر ثمنًا ماليًا مقابل استخدام مياه النيل. هذا الطرح يقلب منطق التفاوض التاريخي التقليدي رأسًا على عقب، محوّلًا النهر من "حق مكتسب تاريخيًا لدول المصب" إلى "سلعة تُباع وتُشترى" وفق شروط دولة المنبع وحدها.
من سد واحد إلى شبكة خزانات: مخاطر التوسعات الإثيوبية الجديدة
ورصدت المجلة تحولًا استراتيجيًا خطيرًا في الطموح الإثيوبي، إذ لم تعد أديس أبابا تكتفي بسد النهضة الكهرومائي الذي استغرق إنجازه أكثر من عقد كامل من العمل والجدل الإقليمي، بل تخطط الآن لإنشاء 3 سدود إضافية ضخمة هي كارادوبي وماندايا وبيكو أبو، بتكلفة استثمارية إجمالية تقترب من 10.5 مليار دولار، وبقدرة توليد كهربائي مجمعة تصل إلى نحو 5700 ميجاواط.
هذا التوسع الكبير من شأنه أن يحول النيل الأزرق تدريجيًا من نهر يتقاسمه الجميع وفق قواعد متفق عليها إلى سلسلة متصلة من الخزانات تتحكم فيها دولة واحدة بمفردها من المنبع وحتى المصب. والأخطر من ذلك، وفق تحليل المقال، أن هذا المسار يحمل أبعادًا تتجاوز مجرد توليد الطاقة الكهرومائية، لتلامس نفوذًا إقليميًا أوسع يمتد نحو منطقة البحر الأحمر وإريتريا، في مؤشر على أن ملف المياه بات متشابكًا مع حسابات جيوسياسية أكبر بكثير من حدود حوض النيل وحده.
الجغرافيا ليست صك ملكية
وذكرت المجلة القراء بمبدأ قانوني وأخلاقي واضح لا لبس فيه، إذ أن مجرد وقوع إثيوبيا في منطقة أعالي النهر لا يمنحها، بأي شكل من الأشكال، حق التحكم المنفرد في قواعد التخزين والتصريف والملء التي تمس مصير ملايين البشر أسفل مجرى النهر.
وتؤكد المجلة أن لإثيوبيا الحق الكامل والمشروع في التنمية والاستفادة من مواردها، لكن ليس لها الحق في امتلاك النيل بمفردها أو احتكار قرار مصيره. ويشدد الكاتب على أن مستقبل النهر يجب أن يُدار بموجب قواعد يتفق عليها جميع من تتوقف حياتهم ومعيشتهم على مياهه، لا وفق معادلة قسرية مفادها أن من يصب أكبر كمية من الخرسانة في أعالي المجرى هو من يفرض شروطه على بقية الأطراف.
نزاع قانوني عمره أكثر من 6 عقود
هذا الخلاف ليس وليد اللحظة الراهنة، بل هو امتداد مباشر لنزاع قانوني وسياسي متجذر منذ اتفاقية 1959 الموقعة بين مصر والسودان، والتي خصصت لمصر حصة سنوية قدرها 55.5 مليار متر مكعب من المياه، وللسودان 18.5 مليار متر مكعب، مع منح القاهرة حق النقض الكامل على أي مشروعات مائية جديدة تقام في أعالي النهر.
لكن المفارقة الجوهرية هنا أن إثيوبيا لم تكن طرفًا في تلك الاتفاقية من الأساس، رغم أنها تساهم بما يزيد على 85% من إجمالي مياه النيل عبر رافدي النيل الأزرق ونهر عطبرة مجتمعين. وترفض أديس أبابا حتى اليوم الاعتراف بشرعية هذه الاتفاقية التاريخية، مستندة في موقفها القانوني إلى ما يُعرف بـ"مبدأ نيريري"، وهو مبدأ قانوني دولي يقضي بأن الدول المستقلة حديثًا غير ملزمة بالاتفاقيات التي وقّعتها قوى استعمارية نيابة عنها قبل حصولها على استقلالها الكامل.
رهان محتمل على التعاون بدلا من الصدام
رغم حدة الخطاب المتبادل بين الأطراف المعنية، تشير أبحاث أكاديمية حديثة، من بينها نموذج محاكاة حاسوبي متطور طورته إحدى الجامعات البريطانية المرموقة، إلى أن تبادل الطاقة الكهربائية بين دول الحوض الثلاث الرئيسية قد يشكل مخرجًا عمليًا وواقعيًا يخفف تدريجيًا من حدة النزاع القائم، عبر تعزيز توليد الكهرباء الكهرومائية وتقليل نسب الفاقد المائي في وقت واحد، بما يخدم في النهاية المصلحة الوطنية المشتركة لكل الأطراف المعنية دون استثناء.
فهل تسمح لغة "المفاتيح" و"الثمن" التي تتبناها أديس أبابا حاليًا بأي مساحة حقيقية وجادة لمثل هذا التعاون المنشود، أم أنها تنذر فعليًا بدخول مرحلة تصعيد جديدة وخطيرة في واحد من أقدم النزاعات المائية في العالم.