الرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة ضمن المفردات الصعبة في أسواق السلع اليوم
تحولت الرقائق الإلكترونية والمعادن الأرضية النادرة من مصطلحات تقنية يتداولها المهندسون أو العاملون في صناعة التكنولوجيا، إلى عنوان رئيسي في أكبر معارك الاقتصاد العالمي. فأسواق السلع لم تعد تتحرك وفق معادلات العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت تخضع بصورة متزايدة لحسابات النفوذ الجيوسياسي، حيث بات قرار تصدير واحد قادرا على تعطيل مصانع، ورفع الأسعار، وإرباك سلاسل التوريد العالمية.

وتزداد أهمية هذه المواد مع تسارع سباق الذكاء الاصطناعي، والرقائق المتقدمة، والسيارات الكهربائية، والطاقة النظيفة، والصناعات العسكرية، ما جعلها في قلب المنافسة المحتدمة بين الولايات المتحدة والصين.
هيمنة صينية بنيت على ثلاثة عقود
لم تصل الصين إلى موقعها الحالي مصادفة، بل بنت هيمنتها عبر استراتيجية طويلة الأمد استمرت أكثر من 30 عاما، جمعت بين الدعم الحكومي السخي، والاستثمار المكثف في التعدين والتكرير، وتطوير المصافي، وقبول تكاليف بيئية أحجمت عنها الدول الغربية.
واليوم تنتج الصين نحو 70% من المعادن الأرضية النادرة في العالم، بينما تسيطر على ما يقرب من 90% من عمليات التكرير والمعالجة، وهي المرحلة الأكثر تعقيدا والأعلى قيمة في سلسلة الإنتاج.
وتضم المعادن الأرضية النادرة 17 عنصرا كيميائيا تدخل في تصنيع كل شيء تقريبا، من الهواتف الذكية والرقائق الإلكترونية إلى السيارات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والأقمار الصناعية، وأنظمة الدفاع المتطورة والطائرات المقاتلة. ورغم أن هذه العناصر تمثل نسبة ضئيلة من تكلفة المنتج النهائي، فإن غيابها يعني توقف خطوط الإنتاج بالكامل، وهو ما يجعلها من أكثر السلع حساسية في الاقتصاد العالمي.
الرقائق الإلكترونية... الجبهة الأكثر سخونة
تعتمد صناعة أشباه الموصلات على مجموعة معقدة من المعادن الاستراتيجية، أبرزها الغاليوم والجرمانيوم والإتريوم والسكانديوم، إلى جانب عناصر نادرة أخرى تستخدم في تحسين التوصيل الكهربائي، والطلاءات المقاومة للحرارة، والمغناطيسات فائقة القوة اللازمة لتصنيع الرقائق المتقدمة.
وكشفت جائحة كورونا مدى هشاشة هذه الصناعة، بعدما أدى نقص الرقائق إلى تعطيل إنتاج ملايين السيارات وخسائر قدرت بنحو 240 مليار دولار للاقتصاد الأمريكي خلال عام واحد فقط. لكن الأزمة الحالية تختلف، إذ لم تعد مرتبطة بالطلب أو النقل، وإنما أصبحت مرتبطة مباشرة بالصراع الجيوسياسي.
وتنتج الصين نحو 98% من الغاليوم الخام عالميا، إضافة إلى نحو 67% من الجرمانيوم، وهما عنصران لا غنى عنهما في صناعة أشباه الموصلات والاتصالات المتقدمة وتقنيات الجيل الخامس.
سلاح التصدير يدخل المعركة
ابتداء من أبريل 2025، فرضت بكين نظاما صارما لتراخيص تصدير المعادن النادرة، قبل أن توسع القيود لاحقا لتشمل عناصر ومركبات إضافية. ورغم تعليق بعض الإجراءات بصورة مؤقتة بعد مفاوضات دبلوماسية، فإن محللين يرون أن الصين لم تتراجع عن استراتيجيتها، بل أصبحت تستخدم ضوابط التصدير كورقة ضغط مرنة يمكن تشديدها أو تخفيفها وفقا لمسار العلاقات السياسية.
وفي يونيو 2026، وسعت بكين دائرة المواجهة بإضافة عشر شركات أمريكية إلى قائمة ضوابط التصدير، من بينها شركات تعمل في قطاع المعادن الحيوية، في إشارة واضحة إلى انتقال الحرب التجارية إلى مرحلة أكثر تعقيدا.
كما أظهرت تقارير حديثة نقصا حادا في الإتريوم المستخدم في الطلاءات الحرارية لمحركات الطائرات، مع ارتفاع أسعاره بأكثر من 60%، بينما يهدد نقص السكانديوم إنتاج رقائق الاتصالات المتقدمة.
الغرب يبحث عن بدائل... لكن الطريق طويل
في مواجهة هذه الهيمنة، تتحرك الولايات المتحدة وحلفاؤها على عدة مسارات لتقليل الاعتماد على الصين. فأطلقت واشنطن منتدى الانخراط الجيواستراتيجي للموارد بمشاركة 54 دولة بهدف بناء سوق جديدة للمعادن الحيوية، كما عززت استثماراتها في شركة MP Materials، الوحيدة التي تمتلك سلسلة إنتاج متكاملة للمعادن النادرة داخل الولايات المتحدة.
وتتكامل هذه التحركات مع قانون CHIPS and Science Act، الذي يضخ عشرات المليارات لإعادة توطين صناعة الرقائق، إلى جانب قانون خفض التضخم الذي يشجع تطوير سلاسل إمداد المعادن الحيوية. غير أن الخبراء يحذرون من أن بناء منجم جديد قد يحتاج إلى 15 عاما أو أكثر، فيما تبقى عمليات التكرير أكثر تعقيدا بسبب نقص الخبرات والتقنيات الغربية مقارنة بالصين.
اقتصاد عالمي منقسم
وتتمثل إحدى أبرز نتائج هذه المواجهة في ظهور ما يسميه المحللون "الانشطار السعري"، إذ أصبحت أسعار بعض المعادن النادرة خارج الصين أعلى بما يصل إلى خمسة أضعاف مقارنة بالسوق الصينية. ويعكس هذا الواقع انقساما غير مسبوق في أسواق السلع العالمية، بعدما فقدت السوق وحدتها التقليدية، وأصبحت الأسعار تحددها القيود السياسية بقدر ما تحددها العوامل الاقتصادية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن ما يقرب من 4% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي يعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على صناعات تستخدم المعادن النادرة، بينما تبدو أوروبا الأكثر عرضة للتأثر نتيجة اعتمادها الكبير على الواردات الآسيوية.
مستقبل الاقتصاد الرقمي يبدأ من المناجم
لم تعد المنافسة بين واشنطن وبكين تدور فقط حول التعريفات الجمركية أو التكنولوجيا، بل أصبحت معركة على المواد الخام التي تقوم عليها الثورة الصناعية الجديدة.
فالرقائق الإلكترونية والمعادن الأرضية النادرة لم تعد مجرد سلع في البورصات العالمية، وإنما تحولت إلى أدوات نفوذ استراتيجي تحدد موازين القوة الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.
ومع استمرار التوسع في الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والصناعات الدفاعية، يتوقع خبراء الأسواق أن تبقى هذه المعادن والرقائق في قلب المنافسة الدولية خلال العقد المقبل، لأن من يملك السيطرة على سلاسل إمدادها، يملك في النهاية مفاتيح الاقتصاد الرقمي العالمي.