الإثنين 29 يونيو 2026 الموافق 14 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
رياضة

من المدرجات إلى صناعة القرار.. هل لا تزال الحكومات تقلل من شأن قوة الرياضة؟

الرئيس نيوز

وسط أكثر من 80 ألف متفرج احتشدوا في ملعب نيويورك نيوجيرسي لمتابعة مواجهة فرنسا والسنغال في كأس العالم 2026، برز سؤال يتجاوز حدود كرة القدم والنتيجة النهائية: لماذا لا تزال الحكومات تنظر إلى الرياضة باعتبارها مجرد وسيلة للترفيه، رغم تحولها إلى واحدة من أقوى أدوات التأثير السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم؟

هذا هو السؤال الذي تطرحه المسؤولة الفرنسية السابقة والباحثة في المجلس الأطلسي، راما ياد، معتبرة أن صناع القرار ما زالوا يقللون بصورة كبيرة من القوة الحقيقية التي تمتلكها الرياضة في تشكيل السياسات وبناء النفوذ وتحفيز الاقتصاد.

مباراة تحمل أكثر من 90 دقيقة

حملت مواجهة فرنسا والسنغال في كأس العالم أبعادا تاريخية ورمزية تعود إلى عام 2002، عندما حققت السنغال مفاجأة تاريخية بإقصاء فرنسا، بطلة العالم آنذاك، في أول مشاركة لها بالمونديال. وبالنسبة إلى كثيرين، مثلت تلك المواجهة أكثر من منافسة رياضية، إذ جمعت بين قوة استعمارية سابقة ومستعمرتها السابقة، لتتحول كرة القدم إلى مساحة تعكس التاريخ والهوية والعلاقات السياسية بين الشعوب.

وترى الكاتبة أن المشهد داخل المدرجات، الذي جمع جماهير من جنسيات وخلفيات مختلفة، يؤكد أن كرة القدم لا تزال النشاط الإنساني الأكثر قدرة على جمع الناس حول حدث واحد، متجاوزة اللغة والثقافة والسياسة.

الرياضة... أداة نفوذ 

وتنتقد راما ياد الطريقة التي تتعامل بها معظم الحكومات مع الرياضة، إذ ترى أن وزارات الرياضة غالبا ما تبقى على هامش دوائر صنع القرار، بينما يقتصر اهتمام السياسيين على استثمار شعبية الرياضيين أو تحقيق مكاسب إعلامية خلال البطولات الكبرى.

وتؤكد أن قلة فقط من القادة أدركوا القيمة الاستراتيجية للرياضة، مستشهدة بالرئيس الجنوب أفريقي الراحل نيلسون مانديلا، الذي استخدم كأس العالم للرجبي عام 1995 لتعزيز المصالحة الوطنية وتوحيد بلد خرج لتوه من حقبة الفصل العنصري.

عندما تتحول الملاعب إلى ساحات صراع

لكن القوة السياسية للرياضة لا تستخدم دائما بصورة إيجابية، إذ يشير التقرير إلى أن التاريخ يقدم نماذج عديدة لاستغلال الأحداث الرياضية في الصراعات الدولية. فقد استخدمت ألمانيا النازية أولمبياد برلين عام 1936 كمنصة للدعاية السياسية، بينما قاطعت الولايات المتحدة أولمبياد موسكو عام 1980 احتجاجا على الغزو السوفياتي لأفغانستان، قبل أن يرد الاتحاد السوفياتي بمقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس عام 1984.

كما يلفت التقرير إلى أن تصفيات كأس العالم عام 1969 ساهمت في تأجيج التوتر بين السلفادور وهندوراس، وهو ما سبق اندلاع مواجهة عسكرية بين البلدين، بينما يعتبر كثير من المؤرخين أن أعمال الشغب التي سبقت مباراة دينامو زغرب والنجم الأحمر بلغراد عام 1990 كانت من المؤشرات المبكرة لانهيار يوغوسلافيا.

اقتصاد بمليارات الدولارات

ورغم هذه الجوانب السياسية، تؤكد راما ياد أن القيمة الاقتصادية للرياضة ربما تكون أكبر من أي وقت مضى. فاستضافة البطولات الكبرى لا تعني فقط إقامة مباريات، بل تفتح أبوابا واسعة للاستثمار في البنية التحتية، والنقل، والفنادق، والسياحة، وحقوق البث، والرعاية التجارية، والتسويق، ما يجعل الرياضة قطاعا اقتصاديا متكاملا قادرا على جذب رؤوس الأموال وخلق فرص العمل.

وتدعو الحكومات إلى التعامل مع الرياضة باعتبارها فئة استثمارية مستقلة، إلى جانب قطاعات مثل التكنولوجيا والعقارات والبنية التحتية، مع وضع أطر قانونية تضمن الشفافية، وتحمي الأمن القومي، وتنظم الاستثمارات الأجنبية في الأندية والمنشآت الرياضية.

تجربة أمريكية تؤكد قوة السياسات الرياضية

وتستشهد الكاتبة بالتجربة الأمريكية في كرة القدم النسائية بوصفها نموذجا على قدرة السياسات العامة في تغيير الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فمنذ إقرار قانون المساواة في الفرص التعليمية عام 1972، الذي ألزم المؤسسات التعليمية الممولة اتحاديا بتوفير فرص متساوية للفتيات في الأنشطة الرياضية، ارتفع عدد لاعبات كرة القدم في المدارس الثانوية من نحو 700 لاعبة فقط إلى ما يقارب 400 ألف لاعبة حاليا.

ولم ينعكس ذلك على المشاركة الرياضية فحسب، بل أدى أيضا إلى ازدهار كرة القدم النسائية الاحترافية، حيث حققت أندية الدوري الأمريكي للسيدات إيرادات بلغت مئات الملايين من الدولارات خلال العام الماضي.

فرصة لا ينبغي إهدارها

وتخلص المحللة راما ياد إلى أن الرياضة لم تعد مجرد منافسات داخل الملاعب، بل أصبحت قوة ناعمة قادرة على تعزيز النفوذ الدولي، وتحريك الاقتصاد، وبناء الهوية الوطنية، وخلق فرص استثمارية ضخمة.

كما ترى أن الحكومات التي لا تزال تنظر إلى الرياضة باعتبارها نشاطا ترفيهيا فقط، تخاطر بإهدار واحد من أكثر القطاعات تأثيرا في القرن الحادي والعشرين، في وقت باتت فيه البطولات الرياضية أداة لصناعة القوة الاقتصادية والدبلوماسية، بقدر ما هي ساحة للتنافس بين اللاعبين.