الإثنين 22 يونيو 2026 الموافق 07 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
فن ومنوعات

هوس البحث.. كثرة الأدلة تغرق باحثة في متاهة اغتيال كينيدي

هوس البحث
هوس البحث

بين ملايين الأوراق الرسمية، وشهادات الشهود المتناقضة، والتقارير الطبية التي أكل عليها الدهر وشرب، وجدت الباحثة الأمريكية سيلفيا ميجر نفسها غارقة حتى أذنيها في واحدة من أكثر قضايا القرن العشرين تعقيدا، بسبب هوسها البحثي فيما يتعلق بملابسات اغتيال الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي. 

وسلط تقرير استقصائي نشرته مجلة "ذا أتلانتيك الضوء على السيدة ميجر كحالة فريدة من "هوس البحث"، حيث لم تعد الأزمة تكمن في نقص المعلومات، بل في تدفقها المرعب الذي يحول السعي وراء الحقيقة إلى متاهة نفسية وفكرية لا نهاية لها.

سيلفيا ميجر لم تكن محققة جنائية أو صحفية سياسية في البداية؛ بل كانت امرأة نيويوركية تتسم بالدقة التامة في كل حياتها، وكانت تعمل باحثة وموظفة إدارية بمنظمة تابعة للأمم المتحدة وكانت معروفة بقدرتها المذهلة على تنظيم البيانات وتدقيق الوثائق المعقدة بحكم عملها. 

وعندما اغتيل كينيدي عام 1963 وصدر "تقرير لجنة وارن" الرسمي، 26 مجلدًا ضخمًا من الأدلة والشهادات، بدأت سيلفيا في قراءته بدافع الفضول. لكن، وبسبب خلفيتها البحثية الصارمة، لاحظت تناقضات مرعبة وثغرات واضحة بين شهادات الشهود والنتائج التي توصلت إليها الحكومة، لتسقط من فورها في "جحر الأرنب"، على حد تعبيرها.

عندما تصبح الأدلة قيدا

تنقل المجلة الأمريكية كيف تحولت رحلة سيلفيا من مجرد رغبة منطقية في فك شفرات الحادثة إلى "هوس مطلق" استهلك ربع قرن (25 سنة) من حياتها. في قضية كينيدي، يكمن الخطر في أن كل دليل يفتح الباب لعشرة أدلة أخرى، وكل شهادة تقود إلى نظرية مؤامرة جديدة. قامت سيلفيا، طوعا، بوضع أول "فهرس تفصيلي شامل" لتقرير لجنة وارن لخدمة الباحثين، وأصبحت المرجع الأول والملجأ لكل من يريد التشكيك في الرواية الرسمية.

لم تكن سيلفيا وحدها، بل قادت شبكة سريعة الاتساع من النساء اللواتي أطلق عليهن المجتمع والسياسيون بسخرية اسم "ربات البيوت المحققات" أو "الجامعات" ، ولكن خلفيتهن كـ "نساء دقيقات الملاحظة" يمتلكن الذكاء التحليلي، جعلتهن يغرقن في بحر الوثائق، من زاوية إطلاق الرصاصة، إلى نوع القماش في بدلة كينيدي، وصولًا إلى تحركات "لي هاري أوزوالد" في الدقائق الأخيرة. هذا الكم الهائل لم يمنح سيلفيا ومجموعتها اليقين، بل أغرقهن في بحر متلاطم من الشكوك المتبادلة.

فخ "غزارة المعلومات".. حين يلتهم البحث صاحبه

تشرح مجلة "ذا أتلانتيك" مأساة "هوس البحث" من زاوية سيكولوجية عميقة؛ فالإنسان يبحث عن الأدلة ليشعر بالسيطرة وللوصول إلى تفسير منطقي، ولكن في القضايا السياسية الكبرى، تتحول كثرة الأدلة إلى أداة تضليل ذاتي. 

أصيبت الباحثة وشبكتها بما يسميه الخبراء "شلل التحليل"، حيث تتساوى الأدلة الحقيقية مع الشائعات، ويصبح من المستحيل الفصل بين الواقع والخيال. كثرة التفاصيل لم تعد تنير الطريق، بل شكلت جدارًا عازلًا حجب الحقيقة المجردة. تحولت غرف سيلفيا إلى خلايا نحل من الأوراق والخرائط والخطوط المتقاطعة، ودفعت الثمن غاليًا من استقرارها النفسي وحياتها الاجتماعية.