الأحد 17 مايو 2026 الموافق 30 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

وثائق سرية.. أسرار مقاتلة أمريكية خارقة بهوية مزيفة في «ناسا» لعشرات السنين

الرئيس نيوز

في واحدة من أغرب القصص المرتبطة بتاريخ الطيران الأمريكي، تكشف وثائق وصور أرشيفية أن وكالة ناسا احتفظت لسنوات بطائرة استطلاع فائقة السرعة من عائلة “بلاكبيرد” تحت هوية مزيفة، في واقعة جمعت بين السرية العسكرية وأبحاث الحرب الباردة والتكنولوجيا التي سبقت عصرها بعقود، كما كشف كتاب “سكانك ووركس” من تأليف بن ريتش، المرجع الأكثر شمولًا من داخل المشروع، تفاصيل دقيقة عن طريقة عمل البرنامج السري الذي خرجت منه هذه الطائرة، ويحمل الكتاب عنوانا يشي بالطبيعة الغامضة لوحدة المشاريع السرية في عملاق صناعة الأسلحة الأمريكية؛ لوكهيد مارتن.

مشروع أمريكي سري حمل اسم “أوكسكارت”

القصة بدأت داخل مشروع أمريكي سري حمل اسم “أوكسكارت”، قادته وكالة الاستخبارات الأمريكية بالتعاون مع شركة لوكهيد عبر وحدة “سكانك ووركس” الشهيرة بقيادة المهندس كيلي جونسون، المشروع أنتج الطائرة “إيه-١٢”، التي تطورت لاحقا إلى “إس آر-٧١ بلاكبيرد”، أسرع طائرة استطلاع مأهولة بمحركات نفاثة في التاريخ، ودخلت الخدمة عام ١٩٦٦.

 بلغت سرعة “بلاكبيرد” أكثر من ثلاثة فاصل ثلاثة ماخ، أي نحو ثلاثة آلاف وخمسمئة وأربعين كيلومترا في الساعة، مع قدرة على التحليق فوق ارتفاع خمسة وثمانين ألف قدم. هذه السرعة الهائلة جعلت اعتراضها شبه مستحيل، حتى أن الطيارين الأمريكيين كانوا يردون على إطلاق الصواريخ المعادية عبر “زيادة السرعة” فقط. وتشير تقارير أمريكية إلى إطلاق أكثر من أربعة آلاف صاروخ على الطائرة طوال مسيرتها دون تسجيل أي إسقاط ناجح لها.
 

برنامج أبحاث حرارية عالي السرية 

لكن أكثر فصول القصة غرابة ظهر داخل ناسا نفسها. ففي السبعينات، وخلال برنامج أبحاث حرارية عالي السرية عرف باسم “كولد وول”، كان يفترض أن تستلم ناسا طائرات “واي إف-١٢” التجريبية لإجراء اختبارات على الطيران بسرعات تفوق ثلاثة ماخ، إلا أن الوكالة حصلت فعليا على طائرة “إس آر-٧١” تشغيلية كاملة جرى تقديمها تحت اسم مزيف هو “واي إف-١٢ سي”.

ووفقا للوثائق الأرشيفية التابعة لناسا، حملت الطائرة رقم ذيل مزيفا يعود بالأصل لطائرة أخرى من مشروع “إيه-١٢” السري، كما جرى تزويدها ببعض المكونات الخارجية الخاصة بطراز “واي إف-١٢” لإخفاء الفروقات التصميمية وتقليل احتمالات اكتشاف هويتها الحقيقية، وفقا لمركز درايدن لأبحاث الطيران.

تحفة هندسية معقدة

ولم تكن “بلاكبيرد” مجرد طائرة سريعة، بل تحفة هندسية معقدة. فقد صُنع معظم هيكلها من التيتانيوم لتحمل الحرارة الهائلة الناتجة عن الطيران بسرعات تفوق ثلاثة أضعاف سرعة الصوت. وعند الإقلاع كانت الطائرة تتسرب منها كميات من الوقود عمدا، لأن الهيكل يتمدد بفعل الحرارة أثناء التحليق ويغلق الفجوات تلقائيا. ولهذا السبب كانت تقلع بخزانات غير ممتلئة بالكامل ثم تتزود بالوقود جوا بعد دقائق من الإقلاع، وفقا لمعلومات الموقع الرسمي للقوات الجوية الأمريكية على شبكة الويب. 

كما امتلكت الطائرة قدرات استطلاع هائلة، إذ كانت قادرة على مسح نحو مئة وخمسة وخمسين ألف كيلومتر مربع خلال ساعة واحدة فقط، مع التقاط صور عالية الدقة من ارتفاعات شاهقة، ما جعلها إحدى أهم أدوات التجسس الأمريكية خلال الحرب الباردة، خصوصا فوق الاتحاد السوفيتي والشرق الأوسط وكوريا الشمالية.

ورغم أسطورتها، خرجت “إس آر-٧١ بلاكبيرد” من الخدمة تدريجيا بداية من عام ١٩٩٠ بسبب تكاليف التشغيل الضخمة وتطور الأقمار الصناعية، قبل أن تعود لفترة قصيرة ثم تتقاعد نهائيا في نهاية التسعينات. واليوم تعرض الطائرات المتبقية من البرنامج داخل متاحف أمريكية، بينما لا تزال قصصها السرية تثير الجدل حتى بعد مرور عقود على انتهاء الحرب الباردة.