الأربعاء 06 مايو 2026 الموافق 19 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الانتخابات البريطانية تضع حزب ستارمر على حافة الهاوية

الرئيس نيوز

لم تكن انتخابات مايو 2026 مجرد اختبار تصويت محلي روتيني للمجالس البلدية في إنجلترا، بل تحولت إلى لحظة سياسية فارقة واختبار وضع حكومة كير ستارمر أمام أول مواجهة حقيقية مع المزاج الشعبي منذ وصول حزب العمال إلى السلطة. فبعد أقل من عامين على الانتصار الكاسح الذي أعاد العمال إلى داونينج ستريت، وجد الحزب نفسه فجأة في قلب عاصفة سياسية تهدد صورته كقوة قادرة على الحكم، وتفتح الباب أمام أسئلة صعبة حول مستقبل القيادة نفسها، وفقا لصحيفة الجارديان.

وبدت نتائج الانتخابات أقرب إلى إنذار مبكر بانهيار الثقة بين الحكومة وقطاعات واسعة من الناخبين الذين منحوا ستارمر تفويضًا ضخمًا في انتخابات 2024 أملًا في إنهاء سنوات الفوضى المحافظة وإعادة الاستقرار إلى البلاد. غير أن ذلك التفويض، الذي بدا راسخًا قبل أشهر قليلة فقط، بدأ يتآكل بسرعة لافتة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والقرارات المثيرة للجدل والانقسامات السياسية المتزايدة.

خسائر ثقيلة تهز الحزب الحاكم

أكثر من خمسة آلاف مقعد محلي كانت مطروحة للتنافس في 136 سلطة محلية إنجليزية، لكن الأنظار تركزت على حجم الخسائر المتوقعة لحزب العمال أكثر من أي شيء آخر. فالحزب يدافع عن ما يزيد على 2500 مقعد، بينما تشير التوقعات إلى خسارته نسبة ضخمة منها، في واحدة من أسوأ النتائج المحلية التي قد يتعرض لها منذ عقود.

ولكن الضربة لا تكمن فقط في الأرقام، بل في طبيعة المناطق المهددة بالسقوط. فالكثير من هذه المقاعد تمثل مدنًا ومجتمعات شكلت تاريخيًا العمود الفقري للعمال، خصوصًا في شمال إنجلترا والمناطق الصناعية القديمة. خسارة هذه المعاقل لا تعني تراجعًا انتخابيًا وحسب، بل تعني اهتزاز العلاقة التاريخية بين الحزب وطبقته التقليدية.

وفي المقابل، تستفيد قوى سياسية صاعدة من هذا التراجع بصورة دراماتيكية. حزب إصلاح المملكة المتحدة Reform UK يحقق تقدمًا واسعًا في المناطق المحافظة والعمالية الغاضبة على حد سواء، بينما يواصل الحزب الأخضر التوسع داخل المدن والدوائر الشبابية والتقدمية. أما الليبراليون الديمقراطيون فيعيدون ترسيخ حضورهم داخل الضواحي والأحياء الميسورة التي صوتت للعمال مؤقتًا للتخلص من المحافظين، دون أن تتحول فعليًا إلى قاعدة عمالية مستقرة.

لماذا بدأ الناخب البريطاني يفقد ثقته؟

منذ الأشهر الأولى لحكومة ستارمر، بدأت شعبية الحزب تتآكل تدريجيًا. الناخبون الذين انتظروا تحولًا اقتصاديًا واضحًا لم يشعروا بتحسن ملموس في مستوى المعيشة، بينما بدت الحكومة بالنسبة لكثيرين شديدة الحذر، بيروقراطية، ومفتقرة إلى الرؤية السياسية الملهمة. وبمرور الوقت، تراكمت الأزمات فوق بعضها البعض. قرار تقليص دعم وقود الشتاء للمتقاعدين أثار غضبًا واسعًا، كما تحولت بعض التعيينات السياسية والملفات الخارجية إلى مصدر دائم للجدل داخل الحزب وخارجه. كذلك تسبب موقف الحكومة من حرب غزة في توتر واضح مع قطاعات من الناخبين المسلمين الذين شكلوا لعقود جزءًا أساسيًا من القاعدة الانتخابية العمالية في المدن الكبرى.

وامتدت الأزمة إلى العلاقة مع النقابات، وهي العلاقة التي طالما اعتبرت أحد أعمدة هوية حزب العمال التاريخية. فالتوترات المتكررة مع القيادات النقابية والإضرابات العمالية أعطت انطباعًا متزايدًا بأن الحكومة باتت بعيدة عن جذورها التقليدية، وهو ما استغلته المعارضة اليسارية والخضر بصورة فعالة.

ثلاث جبهات تضغط على ستارمر في وقت واحد

المعضلة الكبرى أمام رئيس الوزراء لا تتمثل في وجود خصم سياسي واحد، بل في تعدد التهديدات المحاصرة لحزبه من كل الاتجاهات. وعلى اليمين، ينجح نايجل فاراج وحزب Reform UK في استقطاب الناخبين الغاضبين من الهجرة والضرائب وارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصًا في المناطق التي شعرت بأن النخب السياسية تجاهلتها لسنوات طويلة.

وعلى اليسار، يتوسع الحزب الأخضر مستفيدًا من إحباط الشباب والناخبين التقدميين الذين يرون أن حكومة ستارمر تخلت عن كثير من وعود التغيير الجذري واكتفت بإدارة الوضع القائم، أما في الوسط، فيواصل الليبراليون الديمقراطيون جذب الناخبين المعتدلين الذين فقدوا ثقتهم بالمحافظين لكنهم لم يقتنعوا بالكامل بمشروع العمال.

هذا التشظي السياسي يجعل مهمة ستارمر شبه مستحيلة؛ فهو يحاول الحفاظ على ائتلاف انتخابي متناقض يجمع بين ناخبين عماليين تقليديين في الشمال، وطبقات حضرية ليبرالية في لندن، وناخبين وسطيين قلقين من عودة الفوضى السياسية. وكلما حاول إرضاء طرف، خسر جزءا من الطرف الآخر.

حتى العاصمة، التي مثلت لعقود أحد أكثر معاقل حزب العمال صلابة، بدأت تظهر عليها علامات التمرد السياسي. فالحزب الأخضر يحقق تقدمًا واضحًا في بعض الأحياء التقدمية، بينما يتمدد Reform UK في الضواحي الخارجية والمناطق المحافظة اجتماعيًا.

هذا التحول يحمل دلالة رمزية خطيرة، لأن لندن كانت تمثل بالنسبة للعمال نموذج التحالف السياسي الناجح بين الأقليات والشباب والطبقات المتوسطة المتعلمة. أما اليوم، فيبدو أن هذا التحالف نفسه يتعرض للتفكك التدريجي.

وفي مدن مثل مانشستر وبرمنجهام، بات الانقسام أكثر تعقيدًا، مع انتقال جزء من الناخبين المسلمين نحو الخضر، وتحول بعض الناخبين البيض الساخطين إلى Reform UK، ما يخلق صدعًا انتخابيًا وديموغرافيًا يصعب ترميمه بخطاب سياسي واحد.

هل باتت الإطاحة بستارمر وشيكة؟

حتى الآن، لا يبدو أن انقلابًا داخليًا وشيكًا داخل حزب العمال أمر مرجح، خصوصًا أن الحزب ما زال يمتلك أغلبية برلمانية كبيرة تمنحه حماية مؤسساتية مهمة. كما يخشى كثير من النواب تكرار الفوضى القيادية التي عصفت بحزب المحافظين خلال السنوات الأخيرة.

لكن المشكلة الأساسية لم تعد برلمانية فقط، بل سياسية ونفسية أيضًا. فرئيس الوزراء ستارمر الذي يفقد قدرته على إقناع الناخبين يبدأ تدريجيًا بخسارة ثقته داخل حزبه، حتى لو ظل رسميًا في السلطة.

ويتصاعد القلق داخل العمال بصورة واضحة خلال الأشهر الماضية، خصوصًا بعد تمردات برلمانية مرتبطة بإصلاحات الرعاية الاجتماعية والإنفاق العام. ومع كل خسارة محلية جديدة، يزداد الضغط على النواب الذين يخشون على مقاعدهم في الانتخابات المقبلة.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كان ستارمر سيواجه أزمة داخلية، بل متى وكيف ستظهر هذه الأزمة بصورة علنية إذا استمرت النتائج السلبية.

أزمة أعمق من مجرد انتخابات

وتقول صحيفة بريتش بريف إن بريطانيا تدخل مرحلة سياسية جديدة تتفكك فيها الولاءات القديمة، وتتوزع الأصوات بين قوى متعددة في مشهد أكثر انقساما واضطرابا من أي وقت مضى، ولم يعد الناخب البريطاني يتحرك فقط وفق الانتماء الحزبي التقليدي، بل وفق الغضب والهوية والضغوط الاقتصادية والشعور بالتهميش. وهذا النوع من المزاج السياسي يجعل الاستقرار الانتخابي أكثر هشاشة، ويمنح الأحزاب الشعبوية والحركات الاحتجاجية مساحة أوسع للنمو.

وحاول كير ستارمر تقديم نفسه باعتباره رجل الدولة الهادئ والعقلاني، القادر على إدارة البلاد بعيدًا عن الشعبوية والصخب. لكن السياسة البريطانية أثبتت مجددًا أن الناخبين في فترات القلق الاقتصادي والانقسام الاجتماعي لا يبحثون دائمًا عن الإدارة الهادئة، بل عن الخطاب الذي يلامس مخاوفهم ويمنحهم شعورًا بالغضب الممثل سياسيًا.

لهذا تبدو حكومة العمال اليوم عالقة بين حقيقتين، الأولى المؤسسة التقليدية الذي يمثله ستارمر، والحقيقة الثانية هي الغضب السياسي الجديد الذي يجتاح اليمين واليسار معًا.

وقد لا تكون انتخابات مايو 2026 نهاية عهد كير ستارمر، لكنها بالتأكيد لحظة كشفت هشاشة المشروع الذي أوصله إلى الحكم، وفتحت الباب أمام مرحلة سياسية أكثر اضطرابًا وتعقيدًا في تاريخ بريطانيا الحديث.