الأحد 26 أبريل 2026 الموافق 09 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

"فوضى عارمة.. هيا بنا".. شعار جديد يغزو "البودكاست" الأمريكي ويهدد أركان المجتمع

الرئيس نيوز

رصدت مجلة ذا أتلانتيك تحولات دراماتيكية على الساحة الفكرية والأخلاقية في الولايات المتحدة، تتجاوز النقاشات السياسية التقليدية، لتصل إلى جوهر "العقد الاجتماعي" والقوانين المنظمة للحياة اليومية.

ووفقا للمجلة، لم تعد مخالفة القانون تعامل كفعل "إجرامي" بالضرورة في بعض الأوساط الثقافية المرموقة، خاصة اليسارية، بل باتت تطرح كفلسفة للمقاومة ووسيلة للحفاظ على الوعي المدني في وجه ما يراه البعض "استبدادا مؤسسيا" عابرًا للقارات.

"التمارين الفوضوية": مخالفة القانون كتدريب للمواطنة

تعود جذور هذا الطرح إلى أفكار عالم السياسة الراحل جيمس سي. سكوت، الذي دعا إلى ممارسة "التمارين الفوضوية". وتقتضي هذه الفلسفة ارتكاب مخالفات صغيرة ومنتظمة - مثل عبور الشارع من غير الممرات المخصصة أو تهريب بضائع بسيطة - ليس بغرض الإيذاء، بل لضمان عدم "ضمور" قوة الوعي لدى المواطن.

ويرى سكوت أن الطاعة المطلقة تضعف القدرة على التمييز؛ فالمواطن الذي يتعود على إطاعة القوانين الصغيرة دون تفكير، سيكون عاجزًا عن مقاومة الاستبداد الحقيقي عندما يحل. 

وكان سكوت يستشهد دائمًا بالتجربة الألمانية، معتبرًا أن الانصياع المفرط للقوانين كان أحد الممهدات لغياب المقاومة المدنية في حقبات تاريخية مظلمة.

من النظرية إلى "البودكاست": السرقة كعمل مشروع؟

وانتقل هذا النقاش من الرفوف الأكاديمية إلى المنصات الإعلامية الأكثر تأثيرًا. 

ففي بودكاست حديث لصحيفة نيويورك تايمز، استضافت المذيعة ناديا شبيجلمان كلًا من المؤثر حسن بيكر والكاتبة في مجلة "نيويوركر" جيا تولينتينو. خلال الحوار، لم يكتفِ الضيوف بتأييد مخالفة القانون نظريًا، بل ذهبوا إلى تشجيع أفعال عينية مثل السرقة من سلاسل المتاجر الكبرى، مثل هول فودز.

وتستند تولينتينو في تبريرها لهذا السلوك إلى فرضية أن هذه الشركات "تسرق" بالفعل من الموظفين والزبائن عبر ممارساتها الاحتكارية، وبالتالي فإن السرقة منها ليست "خطيئة أخلاقية"، بل هي استرداد للحقوق. بل وذهبت إلى أبعد من ذلك بتشجيع القراء على "السرقة" من جهة عملها نفسها (مجلة نيويوركر)، في دعوة صريحة لتمزيق العقد الوظيفي والأخلاقي التقليدي.

صعود السرقة في ثوب "الموضة العصرية"

في المقابل، يرى النقاد مثل توماس تشاترتون ويليامز أن هذا التوجه يمثل انهيارًا لمبدأ "الأمر المطلق" الذي وضعه الفيلسوف إيمانويل كانط، والذي يقوم على قاعدة: "تصرف فقط وفقًا للمبدأ الذي يمكنك أن تجعله قانونًا عامًا".

وعندما سألت المذيعة ضيوفها: "ماذا لو بدأ الجميع بالسرقة بشكل عشوائي؟ ألا يؤدي ذلك إلى فوضى ورفع للأسعار؟"، كان رد حسن بيكر مثيرًا للدهشة بقوله: "فوضى عارمة.. هيا بنا". هذا الاحتفاء بالفوضى يعكس تحولًا في بعض الأوساط اليسارية من "الاستقامة الأخلاقية" إلى "التجاهل الصارخ للعقد الاجتماعي"، حيث تعتبر مخالفة القواعد "موضة عصرية" تعبر عن التحرر من قيود النظام الرأسمالي.

العنف "اللفظي" والقتل الاجتماعي

رغم أن الضيوف أبدوا حذرًا تجاه العنف الجسدي المباشر ضد الأفراد، إلا أنهم استخدموا مصطلحات حادة مثل "القتل الاجتماعي" لوصف ممارسات شركات التأمين الصحي. هذا الربط بين السياسات الاقتصادية ومفهوم "القتل" يمنح، من وجهة نظرهم، مبررًا أخلاقيًا وتفهمًا لردود الفعل العنيفة التي قد يلجأ إليها الأمريكيون الغاضبون.

مستنقع الأخلاقيات في أمريكا 2026

وأضافت المجلة أن ما يحدث اليوم في أمريكا ليس مجرد خلاف على القوانين، بل هو أزمة أخلاقية عميقة تمس جوهر التعايش. وبينما يرى غرايم وود وتوماس ويليامز أن هذا المسار يؤدي إلى تقويض أركان المجتمع وتدمير الثقة المتبادلة، يرى المدافعون عن هذا الفكر أنه "الاستنفار الأخير" لحماية الفرد من تغول الشركات واستبداد النظام. يبقى السؤال المعلق في أروقة واشنطن وفي شوارع كاليفورنيا: إذا سقط احترام القانون الصغير باسم "المقاومة"، فما الذي سيمنع انهيار الهيكل الاجتماعي بالكامل عند أول اختبار حقيقي؟