الأحد 26 أبريل 2026 الموافق 09 ذو القعدة 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

انقسامات الناتو.. هل تستعد واشنطن لفرض إجراءات انتقامية ضد إسبانيا؟

الرئيس نيوز

يتحول المشهد السياسي في الاتحاد الأوروبي إلى ما يشبه الكوميديا السوداء؛ ففي كل مرة يجتمع فيها القادة، كما حدث في قمة قبرص الأخيرة، يجدون أنفسهم مضطرين لإقصاء الملفات الجوهرية كالميزانية الجديدة لصالح أزمات "وجودية" متلاحقة تهدد تحالفهم. وبينما تستعر أزمة الطاقة بفعل الصراع الأمريكي الإسرائيلي مع إيران، وتدخل الحرب الروسية في أوكرانيا عامها الخامس، عاد "المسدس" الأمريكي، وفقا لتعبير هيئة الإذاعة البريطانية، ليصوب نحو رأس الحلفاء، وتحديدًا نحو إسبانيا، في تصعيد ينذر بتفكك أقدم تحالف دفاعي في العالم.

مدريد في عين العاصفة: رسائل "البنتاجون" المسربة

وأضافت بي بي سي: "لم تكن كلمات رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، حول الهدوء والالتزام بالناتو مجرد تصريحات بروتوكولية، بل كانت محاولة لامتصاص أثر قنبلة فجرها "البنتاجون". 

وكشفت رسائل مسربة نشرتها "رويترز" عن مخطط أمريكي "انتقامي" يسعى لتعليق عضوية إسبانيا في الناتو. ورغم أن القوانين لا تسمح بالطرد، إلا أن التهديد بحرمان الإسبان من المناصب القيادية (المدنية والعسكرية) يمثل "إعدامًا وظيفيًا" داخل الحلف، يهدف لإجبار مدريد على الانصياع للإرادة الأمريكية في ملف إيران.

تمرد سانشيز: المبادئ فوق "الإيجار" الدفاعي

ويرى دونالد ترامب في سانشيز نموذجًا لـ"المتمرد" الذي يجب تأديبه، وتستند هذه العدائية إلى مواقف إسبانية صلبة، أبرزها حظر استخدام القواعد العسكرية؛ فقد رفضت مدريد بشكل قاطع استخدام القواعد المشتركة على أراضيها لشن هجمات ضد طهران، معتبرة العمل العسكري "غير قانوني"، وفي الأثناء تستعر المواجهة المالية بين واشنطن ومدريد، وتجدر الإشارة إلى أن إسبانيا هي العضو الوحيد الذي تجرأ على رفض زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5%، وهو ما اعتبره ترامب "إهانة شخصية" لمنطقه القائم على أن الناتو هو عقار مملوك له ويجب على "المستأجرين" دفع إيجار مرتفع مقابل الحماية.

السيادة الرقمية 
كان رد سانشيز على تسريبات البنتاجون حازمًا؛ فأكد مجددا أن إسبانيا لا تدار بـ "الإيميلات" المسربة، بل بالوثائق الرسمية، في إشارة واضحة لرفض "دبلوماسية الترهيب".

تصدع الجبهة الإيطالية: ميلوني و"خيانة" الصديق القديم

لم يتوقف الزلزال عند مدريد، بل طال جورجيا ميلوني، التي كانت تُلقب بـ "الهامسة في أذن ترامب". ووجدت ميلوني نفسها أمام انتحار سياسي إذا استمرت في دعم ترامب على طول الخط، خاصة بعد إهاناته للبابا التي اعتبرتها "غير مقبولة" لدولة كاثوليكية كإيطاليا. وعكس رفضها استخدام قاعدة "سيجونيلا" في صقلية لضرب إيران، وتضامنها مع إسبانيا في قمة قبرص، حالة "الطلاق البارد" بين اليمين الأوروبي وإدارة ترامب التي باتت توصف بأنها "تفرغ" الناتو من محتواه.

بريطانيا وابتزاز "فوكلاند": الضغط بالسيادة
حتى "الحليف الخاص" لم يسلم؛ فالغضب الأمريكي طال السير كير ستارمر بسبب رفضه المبدئي استخدام القواعد البريطانية للهجوم على إيران في فبراير. ورغم أن لندن تراجعت لاحقًا وشاركت في إسقاط مسيرات إيرانية، إلا أن ترامب لم يغفر لستارمر إصراره على أن "الحصار الشامل" ليس في مصلحة بريطانيا، ليلوح ترامب بورقة الضغط الأكثر إيلامًا: مراجعة موقف واشنطن من سيادة بريطانيا على جزر فوكلاند لصالح الأرجنتين.

المادة 42.7: هل يولد "الناتو الأوروبي" من رحم الأزمة؟

في قبرص، لم يعد السؤال "هل نحتاج الناتو؟" بل "ماذا لو لم يعد الناتو موجودًا؟". دفع القلق القادة لاستكشاف المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي (الدفاع المشترك).

تخبط في تصريحات فون دير لاين
واعترفت رئيسة المفوضية الأوروبية، فون دير لاين، بأن المعاهدة ملزمة لكنها "غير واضحة" حول من سيفعل ماذا، مما يكشف عن عجز عسكري أوروبي أمام التهديد الروسي الذي يقدر جهاز الاستخبارات الهولندي (MIVD) أنه قد يتحول لصراع إقليمي ضد الناتو خلال عام واحد فقط.

إستونيا.. القربان الأول
بينما يبتز ترامب إسبانيا، تلقت إستونيا "صفعة" بتأجيل تسليم أنظمة "هيمارس" الصاروخية لحاجة واشنطن لها في حرب إيران، مما ترك دول البلطيق مكشوفة تمامًا أمام أطماع موسكو التوسعية.

انفراط العقد الأطلسي: "نمر الورق" يحترق
واختصر ينس ستولتنبرج المشهد بالتحذير من أن بقاء الناتو لعشر سنوات أخرى ليس مضمونًا. فبينما تقسم إدارة ترامب الحلفاء إلى "أخيار" (بولندا وإسرائيل) و"أشرار" (إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا)، تظهر الحقيقة المرة، وهي أن حلف الناتو ينهار سياسيًا قبل أن ينهار عسكريًا. ولا تزال فرنسا وبريطانيا تحاولان عبر جهود حثيثة الآن تشكيل دوريات بحرية مستقلة في مضيق هرمز لـ "استرضاء" ترامب، لكن الفجوة باتت أعمق من أن تُرأب، فإسبانيا وبقية القوى الأوروبية يرفضون أن يكونوا "جنودًا بالإيجار" في حرب اختيارية لا تخدم أمن القارة.

ورجحت بي بي سي أن الهجوم على إسبانيا ليس مجرد خلاف ثنائي، بل هو "بروفة" لمستقبل التحالفات الدولية تحت إدارة ترامب؛ حيث السيادة الوطنية تقايض بالولاء المطلق، والأمن الجماعي يتحول إلى "صفقة عقارية" قابلة للإلغاء في أي لحظة.