مصر تعيد رسم خريطة التنمية الحضرية: 22 مدينة جديدة لاستيعاب 30 مليون شخص
في مدينة ظلت تخنقها الكثافة السكانية والمرورية وظلت تئن تحت ثقل الإهمال العمراني المستمر لعقود متراكمة، تراهن مصر على رؤية استثنائية سلطت الضوء عليها صحيفة «فوي أوف إمارات»، تتلخص في إعادة القاهرة رسم خريطتها الحضرية من جذورها، وأن تحول ضغط المدن المزمن إلى فرصة تنموية نادرة.
القاهرة نموذجًا أكاديميًا حيًا للمتناقضات
تقول الصحيفة: «لم تعد القاهرة مجرد عاصمة مكتظة، بل باتت نموذجًا أكاديميًا حيًا للمتناقضات العمرانية؛ تهيمن على وصف القاهرة صور صارخة لكتلة بشرية ضخمة في حالة تحتاج إلى إعادة نظر، من أسطح مسكونة، إلى شوارع خانقة بالسيارات والتلوث، وصولًا إلى مقابر يقطنها الأحياء مع الأموات».
هذه الأزمة التاريخية، التي يختزلها جيل كامل من المصريين في صورة واحدة عنوانها الأبرز هو الزحام، هي نقطة الانطلاق التي صاغت من حولها الدولة المصرية طموحها العمراني الأكبر في تاريخها الحديث.
وتجسد الأرقام حجم التحدي بوضوح لافت؛ فنحو 96% من إجمالي السكان يقطنون في 6% فقط من إجمالي المساحة الوطنية، مما يفضي إلى اكتظاظ حاد وامتداد عمراني فوضوي ونحو 40% من المناطق الحضرية و95% من المناطق الريفية تُصنَّف مناطق غير مخططة، في حين يقطن بعض سكان منطقة القاهرة الكبرى في عشوائيات.
ومنذ عام 2015، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي عن قرار إنشاء عاصمة إدارية جديدة تخفف الضغط عن القاهرة المثقلة، انطلق المشروع بهدف تحويل مركز الجاذبية السكاني نحو الشرق، وخلق مركز جديد للحكومة والتمويل والثقافة.
مدن الجيل الرابع
في إطار الخطة الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية 2052، تشيد مصر 22 مدينة جديدة من "الجيل الرابع" لاستيعاب نحو 30 مليون شخص في مختلف أرجاء البلاد، بحيث ترفع الرقعة المأهولة إلى 14% من مجمل الأراضي. وتُصمَّم هذه المدن جميعها لتكون "ذكية" ومستدامة، تعتمد التكنولوجيا المتقدمة والموارد المتجددة لتقديم خدمات إلكترونية متكاملة وخفض استهلاك الطاقة والنفايات.
ووفقا لبلومبرج، فإن القاهرة مدينة تاريخية بُنيت قطعة قطعة وعقدا بعد عقد، لكن للانتقال إلى عالم حديث تحتاج بنية تحتية حديثة كما أن هذه المدن الذكية «خضراء في طبيعتها»، وقادرة على جذب الاستثمار الأجنبي المباشر بصورة لم تشهدها مصر من قبل.
العاصمة الجديدة: نموذج القرن الحادي والعشرين
تمتد العاصمة الإدارية الجديدة على مساحة تناهز 725 كيلومترًا مربعًا، ومن المنتظر أن تستوعب عند اكتمالها نحو 6.5 مليون نسمة وتوفر ما يقارب مليوني فرصة عمل دائمة. وقد انتقلت إليها جميع الوزارات والأجهزة الحكومية بنهاية عام 2023، تبعها قطاع المال، إذ يتخذ البنك المركزي وبورصة مصر و18 من أصل 38 بنكًا تجاريًا مصريًا مقرات لها في العاصمة الجديدة.
وعلى صعيد البنية التحتية الخضراء، يمتد نهر الحدائق الأخضر في قلب العاصمة الجديدة على مسافة 35 كيلومترًا، ليربط 20 حيًا سكنيًا عبر شبكة من الترام والمونوريل والمسارات الدراجية والأرصفة المخصصة للمشاة، في نموذج يعد مرجعًا عالميًا للتخطيط العمراني المستدام.
ولا يتوقف التمويل عند الميزانيات الحكومية التقليدية؛ فمنذ عام 2020 تطلق مصر سندات خضراء صكوك وقروض منخفضة الفائدة لتمويل الطاقة النظيفة والنقل والبنية التحتية الذكية. وفي عام 2025، جرى توحيد هذه الأدوات ضمن الاستراتيجية الوطنية المتكاملة للتمويل، مع ربط العوائد بنتائج قابلة للقياس في صورة وفورات الطاقة وخفض الانبعاثات.
العلمين الجديدة ومسيرة الشمال
تمتد العلمين الجديدة على مساحة 50 ألف فدان بين الإسكندرية ومرسى مطروح، ومن المقرر عند اكتمالها أن تستوعب أكثر من ثلاثة ملايين نسمة، لتعمل كعاصمة إدارية ثانية تضم مقرًا لمجلس الوزراء.
ويشمل نطاق التطوير الساحلي الشمالي مدنًا متسلسلة من العلمين مرورًا بالنجيلة وسيدي براني وجرجوب ومطروح وصولًا إلى سلوم، في خطة شاملة كشفت عنها الحكومة في فبراير 2024.
بلغت الاستثمارات في البنية التحتية خلال العقد الماضي نحو 550 مليار دولار وفق تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية حسن الخطيب، فيما يشهد قطاع المقاولات نموًا سنويًا بنسبة 7.4%، ومن المتوقع أن يبلغ 75 مليار دولار بحلول 2029. ويعتزم القطاع العقاري نموًا بـ30 مليار دولار إضافية بحلول 2028.
بين الرؤية والواقع
وتابعت الصحيفة قائلة: "يبدو أن الصورة لا تخلو من تعقيدات عميقة. إذ تشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة جذب السكان إلى المدن الجديدة ارتفعت 220%، فيما يقيم نحو 12 مليون فرد في مناطق عشوائية لا تزال تنتظر الحلول الشاملة التي تشمل التمويل وتوفير الإسكان البديل".
وتمثل تجربة مصر العمرانية رهانا استراتيجيا بالغ الجرأة بشأن تحويل إرث ضغط المدن الثقيل إلى رافعة للتنمية والفرص. مصر تخوض الآن تحولا من نوعه لم تشهده في تاريخها الحديث؛ إذ ترسي الحكومة الاستثمارات في البنية التحتية والإسكان بصورة غير مسبوقة، لتصبح ثالث أكبر سوق للمقاولات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بما يتجاوز تريليون دولار من المشاريع قيد الإنشاء.