الثلاثاء 14 أبريل 2026 الموافق 26 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

نموذج قناة السويس يُلهم العالم.. العائدات تدفع طموحات القنوات العالمية

الرئيس نيوز

بدأت أوروبا تعيد التفكير في معادلة النفوذ البحري ليس فقط من زاوية الأمن، بل من زاوية الربح والسيادة الاقتصادية. وفي قلب هذا التحول يبرز نموذج قناة السويس بوصفه القصة الأكثر نجاحًا في تحويل ممر مائي اصطناعي إلى مصدر دخل استراتيجي، ما يدفع قوى إقليمية ودولية لمحاولة استنساخ التجربة، وفقا لموقع بيزنس إنسايدر.

قناة السويس: نموذج الربحية في زمن الأزمات

على مدار السنوات الماضية، أثبتت قناة السويس قدرتها على الصمود وتحقيق الإيرادات رغم الصدمات الجيوسياسية. فالقناة، التي تُعد أحد أهم شرايين التجارة العالمية، واصلت تسجيل أرقام قوية، مع توقعات بوصول إيراداتها إلى نحو 8 مليارات دولار خلال العام المالي 2026/2027، ثم الارتفاع إلى 10 مليارات، وصولًا إلى 12 مليار دولار بحلول عام 2030.

ولم تقتصر المؤشرات على التوقعات، بل تعكس البيانات الفعلية تعافيًا ملموسًا، حيث سجلت القناة إيرادات بلغت 449 مليون دولار خلال أول شهرين من عام 2026، مقارنة بـ368 مليون دولار في نفس الفترة من العام السابق. هذا الأداء يعزز مكانة القناة كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية في مصر، ويؤكد جاذبية نموذجها الاقتصادي القائم على فرض رسوم عبور مقابل خدمات ملاحية متكاملة. 

قناة إسطنبول: الطموح الأوروبي الأكبر

في أوروبا، يتجسد هذا التوجه بوضوح في مشروع قناة إسطنبول، الذي يمثل محاولة جريئة لإعادة رسم خريطة الملاحة بين البحر الأسود وبحر مرمرة. المشروع، الذي تُقدر تكلفته بنحو 25 مليار دولار، يهدف إلى إنشاء ممر مائي اصطناعي خاضع للسيطرة الكاملة، بما يسمح بفرض رسوم عبور على السفن، على غرار نموذج قناة السويس.

وتكمن أهمية هذا المشروع في كونه بديلًا استراتيجيًا للمضائق الطبيعية مثل البوسفور والدردنيل، التي تخضع لاتفاقيات دولية تحدّ من قدرة تركيا على فرض رسوم. ومع تصاعد المخاطر في ممرات الطاقة العالمية، ترى أنقرة في هذا المشروع فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي وتحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر دخل مستدام. 

القانون الدولي: لماذا تعد القنوات مربحة؟

يعود جزء كبير من جاذبية هذا النموذج إلى الفارق القانوني بين القنوات الاصطناعية والمضائق الطبيعية. فبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لا يمكن للدول فرض رسوم على المرور عبر المضائق الطبيعية التي تُستخدم للملاحة الدولية، مثل مضيق هرمز.

في المقابل، تمنح القوانين الدولية الدول الحق في فرض رسوم على القنوات التي تقوم بحفرها وصيانتها، كما هو الحال في قناة السويس وقناة بنما. هذا الفارق القانوني يحول القنوات الاصطناعية إلى أصول اقتصادية عالية القيمة، ويجعل الاستثمار فيها خيارا جذابا للدول الباحثة عن مصادر دخل مستقلة عن الضرائب أو الموارد التقليدية.

سباق على طرق التجارة

نجاح قناة السويس لم يكن ماليا فقط، بل استراتيجيا أيضًا. فقد عزز موقع مصر كمركز لوجستي عالمي، وسمح لها بلعب دور محوري في حركة التجارة بين الشرق والغرب. وتشير التقديرات إلى أن القناة حققت نحو 40 مليار دولار خلال خمس سنوات فقط، وهو رقم يعكس حجم الفرصة التي تسعى دول أخرى لاقتناصها.

هذا النجاح يدفع أوروبا وتركيا إلى ضخ استثمارات ضخمة في مشاريع مماثلة، ليس فقط لتحقيق الأرباح، بل أيضًا لتقليل الاعتماد على ممرات بحرية معرضة للمخاطر السياسية والعسكرية. فكل قناة جديدة تعني قدرة أكبر على التحكم في تدفقات التجارة، وبالتالي نفوذًا أكبر في الاقتصاد العالمي. 

مستقبل الممرات المائية: بين الطموح والتحديات

ورغم الإغراءات الاقتصادية، لا تخلو هذه المشاريع من تحديات معقدة، تشمل التكلفة الضخمة، والتأثيرات البيئية، والتوترات السياسية المرتبطة بإعادة تشكيل طرق التجارة. كما أن نجاح أي قناة جديدة يعتمد على قدرتها على جذب حركة الملاحة بعيدًا عن المسارات التقليدية، وهو أمر ليس مضمونا في ظل المنافسة العالمية.

وأشار موقع بيزنس إنسايدر إلى أن أوروبا تشهد تحولا استراتيجيا في فهم قيمة العوامل الجيوسياسية، واصبحت القارة أكثر إدراكا لحقيقة أن المياه لم تعد مجرد ممرات للعبور، بل من الممكن تحويلها إلى أصول اقتصادية وسياسية يمكن توظيفها لتعزيز النفوذ والسيادة. وفي هذا السياق، تقف قناة السويس كمرجع عالمي، بينما تحاول أوروبا كتابة نسختها الخاصة من هذه القصة.