"حصن دبلوماسي".. لماذا اختارت باكستان فندق "سيرينا" لمفاوضات السلام بين أمريكا وإيران؟
وسط حدائق واسعة تمتد على مساحة 15 فدانًا، محاطة بتلال مارجالا وشاطئ بحيرة راوال، يقف فندق "سيرينا" في إسلام آباد كتحفة معمارية تجمع بين الفخامة والأمان، وتحول الفندق الفاخر من فئة الخمس نجوم إلى مركز عصبي للمفاوضات الأمريكية-الإيرانية غير المباشرة، التي استمرت 21 ساعة دون التوصل إلى اتفاق.
لماذا فندق "سيرينا" لعقد مفاوضات بين إيران وأمريكا؟
وذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن اختيار فندق "سيرينا" لم يكن صدفة؛ فهو يعد واحدًا من أكثر المباني تحصينًا في العاصمة الباكستانية، بفضل موقعه الاستراتيجي وبنيته الأمنية المتطورة التي جعلته خيارًا مثاليًا لاستضافة وفود تضم أكثر من 150 شخصًا.
يمتاز الفندق بهندسة معمارية مستوحاة من الطراز المغربي الأندلسي (الموريش)، بلمسات إسلامية تقليدية تعكس التراث الثقافي الباكستاني. أما الردهة الرئيسية، فهي مزينة بـ"مشربيات" خشبية معقدة، والنوافير والتراسات المفتوحة تخلق جوًا من الهدوء والانسجام. داخليًا، يجمع التصميم بين الأخشاب الداكنة الفاخرة والأثاث الغني بالألوان الوردية والحمراء المستوحاة من وادي سوات، مع شرفات وأجنحة خارجية تضيف لمسة من الراحة. هذه العناصر الجمالية تخفي في طياتها وظيفة أمنية ذكية: الجدران السميكة، والمساحات المسيطر عليها، والمداخل المتباعدة التي تسمح بمراقبة دقيقة للحركة.
ويقع الفندق داخل "المنطقة الحمراء" (Red Zone) المحصنة، بجوار وزارة الخارجية مباشرة، وبالقرب من مقر رئيس الوزراء ومبنى البرلمان والسفارات الرئيسية. هذا الموقع الاستراتيجي يُعد ميزة أمنية كبرى؛ إذ يتيح الوصول السريع والآمن إلى المؤسسات الحكومية الرئيسية دون الحاجة إلى تنقلات طويلة عبر المدينة، يضم الفندق أكثر من 336 غرفة و52 جناحًا، بالإضافة إلى قاعات مؤتمرات فسيحة وقاعات حفلات وقاعات اجتماعات متعددة، مما يجعله قادرًا على استيعاب وفدين كبيرين مثل الوفد الأمريكي برئاسة نائب الرئيس جي دي فانس والوفد الإيراني، دون أي اختلاط خارجي.
أعنف الهجمات الإرهابية في تاريخ إسلام آباد
ورغم قربه من فندق "ماريوت" الذي شهد عام 2008 أحد أعنف الهجمات الإرهابية في تاريخ إسلام آباد، إلا أن "سيرينا" حافظ على سمعته كـ"حصن منيع"، يعود ذلك جزئيًا إلى طاقمه الأمني المكون في معظمه من ضباط أمن متقاعدين، مدربين تدريبًا عاليًا. كما أن تصميم الفندق يتضمن نقاط دخول وخروج متباعدة عن المبنى الرئيسي، مما يعزز التحكم في الوصول ويقلل المخاطر. يصف رئيس الشرطة السابق طاهر علم خان هذه الميزات بأنها "تعزز الأمان بشكل كبير"، مشيرًا إلى أن الفندق خاضع لإجراءات أمنية متعددة المستويات مع تنسيق وثيق مع الأجهزة الأمنية الباكستانية.
قبل انطلاق المفاوضات، أصدرت الحكومة الباكستانية أمرًا بإخلاء الفندق بالكامل من الضيوف العاديين، وتحويله إلى منطقة دبلوماسية محصنة حصريًا للوفدين. فرضت إجراءات أمنية غير مسبوقة شملت إغلاق المتاجر والمكاتب ليومين، ونشر آلاف العناصر من الشرطة والقوات شبه العسكرية والجيش نقاط تفتيش وحواجز، مع طوق أمني مشدد حول المنطقة الحمراء، داخل الفندق نفسه، تم تعزيز الأنظمة الإلكترونية والمراقبة، مع خطة إدارة أزمات شاملة تعتمد على تقنيات حديثة على مدار الساعة. هذه الإجراءات جعلت "سيرينا" يبدو وكأنه "حصن دبلوماسي" محاط بحراسة حديدية، رغم جماله الخارجي الهادئ.
حصن دبلوماسي محاط بحراسة حديدية
تدير الفندق سلسلة "سيرينا" العالمية، التابعة لمؤسسة أغا خان للتنمية الاقتصادية (AKFED)، وهو ما يمنحه طابعًا محايدًا نسبيًا في أعين بعض الأطراف، لكنه أيضًا يجعله هدفًا محتملًا لعناصر متطرفة بسبب ارتباطه بالطائفة الإسماعيلية، ومع ذلك، أثبت الفندق على مر السنين قدرته على استضافة رؤساء دول وشخصيات رفيعة المستوى بأمان تام، مما عزز ثقة المسؤولين الباكستانيين في اختياره لمثل هذه المفاوضات الحساسة.
ورغم انهيار المحادثات بعد 21 ساعة من الجلسات المكثفة – حيث أعلن فانس أن إيران رفضت "الشروط الأمريكية النهائية" – إلا أن فندق "سيرينا" نجح في اختبار لوجستي وأمني كبير، بل وأصبح رمزًا للدبلوماسية في زمن التوتر: مكان فاخر يجمع بين الجمال المعماري والتحصين الحديدي، حيث تدار تحت سقفه محاولات لإنهاء حرب إقليمية قد تغير خريطة الشرق الأوسط. حتى لو لم تنجح الجولة الحالية، فإن الفندق أثبت أنه قادر على احتضان الخصمين اللدودين تحت سقف واحد، محاطين بطبقات أمنية تجعل أي تهديد خارجي أمرًا بالغ الصعوبة.