الإثنين 30 مارس 2026 الموافق 11 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

مراقبون عن الاجتماع الرباعي في باكستان: ما سيحدث لاحقا لن يقرر في إسلام آباد

الرئيس نيوز

في اليوم ذاته الذي استهدفت فيه جنوب إسرائيل، بمزيد من الصواريخ، وفي اللحظة التي كانت فيها الضربات الجوية الأمريكية الإسرائيلية على إيران تواصل وطأتها في أسبوعها الخامس دون توقف، كان أربعة وزراء خارجية يتصافحون في إسلام آباد في أكبر مبادرة دبلوماسية متعددة الأطراف منذ اندلاع الحرب. ووفقا لصحيفة واشنطن بوست جلس وزراء خارجية مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية وباكستان، أربع دول مسلمة بثقل إقليمي ودولي، أمس الأحد حول طاولة واحدة تبحث في سؤال واحد: هل لا يزال ثمة مخرج دبلوماسي؟  

إسلام آباد: من هامش الخريطة إلى مركزها  

وكان الاجتماع نتاج آلية تبلورت أول ما تبلورت خلال تجمع أوسع للدول العربية والإسلامية في الرياض في مطلع الشهر الجاري، ثم اكتسبت زخما لتتحول إلى مسار دبلوماسي رباعي مع باكستان في موقع المحاور المركزي بين إيران والولايات المتحدة. والاجتماع في الأصل كان مقررا في أنقرة، لكنه نقل إلى إسلام آباد بسبب التورط المتعمق لباكستان في نقل الرسائل بين واشنطن وطهران.  

وقد ساهم في صعود الدور الباكستاني أن رئيس وزرائها أجرى محادثة هاتفية مع الرئيس الإيراني استمرت أكثر من ساعة، استعرض خلالها مساعي إسلام آباد الدبلوماسية، فأثنى على جهود الوساطة الباكستانية. بل كانت تلك المكالمة الثانية بين الزعيمين خلال خمسة أيام فحسب. 

وتربط باكستان بإيران علاقات تاريخية وثيقة من جهة، وتحالف استراتيجي راسخ مع الولايات المتحدة من جهة أخرى، وهو ما أتاح لها القيام بدور ناقل الرسائل بين طرفين يرفض كلاهما الجلوس وجها لوجه. وقد كانت إسلام آباد قد سبق أن سلمت طهران الخطة الأمريكية المكونة من خمس عشرة نقطة.  

في ختام أعمال اليوم الأول، قال وزير الخارجية الباكستاني إن المشاركين بحثوا "السبل الممكنة للتوصل إلى إنهاء مبكر ودائم للحرب" في الشرق الأوسط. وأضاف أن جميع الأطراف أعربت عن ثقتها في دور باكستان وسيطا، وأن الصين "تدعم دعما كاملا" مبادرة استضافة محادثات محتملة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد.  

"كونسورتيوم هرمز" — فكرة قد تغير قواعد اللعبة  

لم تقتصر اجتماعات إسلام آباد على التصريحات الدبلوماسية العامة، بل طرحت على الطاولة أفكار تقنية بالغة الجرأة. فقد كشفت مصادر مطلعة على مجريات المفاوضات أن تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية قدمت مقترحا بتشكيل "كونسورتيوم" إقليمي لإدارة تدفق النفط عبر مضيق هرمز، ودعت باكستان للانضمام إليه. وتضمنت هذه المقترحات فكرة استلهمت نموذجا عريقا؛ إذ اقترحت الدول المجتمعة نظام رسوم عبور مستوحى من نموذج قناة السويس لتشغيل الممر المائي وإعادة فتحه أمام ناقلات النفط والغاز.  

وأكدت المصادر أن "مقترح الكونسورتيوم جرى بحثه مع الولايات المتحدة وإيران على حد سواء"، وأن هذه المقترحات المصرية والإقليمية أرسلت إلى البيت الأبيض قبيل انعقاد الاجتماع مباشرة، وأن الجيش الباكستاني يحافظ على قنوات تواصل مباشرة مع نظيريه الأمريكي والإيراني.  

خطوة ثقة إيرانية وحائط أمريكي صلب  

في خضم التصعيد، برزت إشارة إيجابية محدودة لكن دالة؛ إذ أعلن أن إيران وافقت على السماح لعشرين سفينة إضافية ترفع العلم الباكستاني بالعبور عبر مضيق هرمز بمعدل سفينتين يوميا، واصفا ذلك بـ"إجراء بناء للثقة" و"بشيرا بالسلام". وكتب في منشور على منصة إكس موجها إلى مسؤولين أمريكيين وإيرانيين: "الحوار والدبلوماسية وهذه الإجراءات البناءة هي السبيل الوحيد للمضي قدما."  

غير أن طهران أبقت على موقفها الرسمي المتصلب؛ إذ رفضت الخطة الأمريكية المكونة من خمس عشرة نقطة، وقدمت في المقابل مقترحا من خمس نقاط يشترط وقف العدوان ودفع تعويضات الحرب والاعتراف بسيادتها الاستراتيجية على مضيق هرمز. وذهب رئيس البرلمان الإيراني إلى حد اتهام واشنطن بأنها تستخدم مسار التفاوض غطاء لأهداف عسكرية، كاتبا في تيليجرام: "العدو يرسل علنا رسائل التفاوض والحوار، بينما يخطط سرا لهجوم بري. قواتنا في الانتظار."  

الملف النووي: جوهر الأزمة الصلب  

لا يمكن فهم أزمة هرمز بمعزل عن ملفها النووي الذي يظل جوهر الخلاف الأمريكي الإيراني الصلب. فقد كشفت تقارير أن الخطة الأمريكية تطالب طهران بتفكيك منشآتها النووية الثلاث ووقف تخصيب اليورانيوم وتعليق برنامج الصواريخ الباليستية وقطع دعمها للفصائل المسلحة، مقابل رفع العقوبات ودعم أمريكي للبرنامج النووي السلمي الإيراني. وقد استندت واشنطن وتل أبيب إلى البرنامج النووي الإيراني مسوغا رئيسيا لشن الحرب في الثامن والعشرين من فبراير، رغم أن هذا البرنامج لم يتضمن وقتئذ مكونا عسكريا مؤكدا.  

ثمن الصمت الإقليمي يرتفع  
يكتسب مسار إسلام آباد أهميته المضاعفة من حجم الضغط الاقتصادي الذي تتعرض له الدول المشاركة. فمنذ إغلاق هرمز فعليا، ارتفعت أسعار النفط بصورة حادة هزت الأسواق العالمية، وشهد العالم أزمة أسمدة وتعطلا واسعا في حركة الطيران الإقليمي. وتجدر الإشارة إلى أن إيران أبدت قدرا محدودا من المرونة حين وافقت إثر طلب أممي على السماح بمرور شحنات المساعدات الإنسانية والمواد الزراعية عبر المضيق.  

الاجتماع الرباعي لم يصمم لينتج وقفا لإطلاق النار من تلقاء نفسه؛ بل كان غرضه تنسيق المواقف الإقليمية وتهيئة الأرضية لمشاركة أمريكية إيرانية مباشرة محتملة. وخلص المراقبون إلى حقيقة واحدة جلية: ما سيحدث لاحقا لن يقرر في إسلام آباد، بل في واشنطن وطهران. غير أن ثقل المشهد الدبلوماسي في هذه الحرب قد انتقل، ولو مؤقتا، إلى عاصمة باكستان.