"أعداء البر" والجحيم الأبدي.. تفاصيل الصلاة التي تلاها وزير الدفاع الأمريكي قبيل العمليات العسكرية
في خضم الشهر الثاني من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تحول البنتاجون إلى ساحة معركة من نوع مختلف؛ ليست بالصواريخ والطائرات، بل بالكلمات والصلوات والصلبان. فوزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، الذي يشغل منصبه منذ عام 2025، يمضي آخر ثلاثاء من كل شهر ليس في جلسات إحاطة عسكرية، بل في إقامة شعائر عبادة مسيحية علنية داخل أروقة وزارة الحرب، في مشهد بات يثير قلق عدد متزايد من المسؤولين والمختصين، وفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.
"عنف ساحق ضد من لا يستحقون الرحمة"
في الجلسة الأخيرة، وهي أول تجمع ديني مسيحي شهري في البنتاجون منذ انطلاق الحرب على إيران، دعا هيجسيث الرب أن يمنح قواته "عنفًا ساحقًا" ضد "من لا يستحقون الرحمة"، وتلا الوزير خلال الجلسة التي تم بثها مباشرةً ما وصفه بـ"قراءة ما قبل المهمة" التي ألقيت سابقا على جنود أمريكيين في إطار إحدى العمليات الخارجية، وترجح صحيفة ذا هيل أداء نفس الصلاة في يناير قبيل القبض على الرئيس الفنزويلي مادورو.
وجاءت الصلاة صريحة لا تحتمل التأويل: "لتجد كل رصاصة هدفها ضد أعداء البر وأمتنا العظيمة. امنحهم الحكمة في كل قرار، والتحمل في المحن، والوحدة التي لا تكسر، والعنف الساحق تجاه من لا يستحقون الرحمة... لتنفذ العدالة بسرعة ودون ندم، حتى يتراجع الشر وتسلم الأرواح الشريرة إلى الجحيم الأبدي المعد لها"، وفقا لصحيفة ذا هيل.
نمط ممنهج لا حادثة فردية
ما جرى لم يكن استثناء فرديا، بل حلقة في سلسلة طويلة. ومنذ مايو 2025، بات هيجسيث يقيم جلسات عبادة شهرية خلال ساعات العمل الرسمية في البنتاجون، وفي فبراير 2026 بدأت وزارة الحرب إرسال دعوات لحضور هذه الجلسات إلى متعاقدين دفاعيين من القطاع الخاص، ومن أبرز المدعوين دوج ويلسون، القسيس القومي المسيحي المعروف بمواقفه المثيرة للجدل مثل معارضته حق التصويت للنساء.
واعتاد هيجسيث استضافة قسيسه الشخصي من ولاية تينيسي، بروكس بوتيجر، في عدد من هذه الجلسات، فضلا عن إدوارد جراهام حفيد بيلي جراهام، وعدد من قيادات الكنائس الإنجيلية.
وتجاوز الأمر حدود التعبير عن الإيمان الشخصي ليطال الهيكل المؤسسي للجيش ذاته. فقد أصدر هيجسيث توجيها رسميا يمس فيلق القساوسة العسكريين — وهو الفيلق المتخصص في الرعاية الروحية والدينية للجنود، ويضم ضباط معينين برتب عسكرية رسمية — يقضي بأن يزيل أفراده شارات رتبهم العسكرية من زيهم، ويستبدلوا بها رموزا دينية، معربا عن رغبته في أن يعرف القسيس العسكري بوصفه "أولا وقبل كل شيء رجل دين، وضابطا ثانيا"، وفقا لصحيفة ذا دايلي بيست، الأمر الذي اعتبره كثير من المحللين تقويضا للطابع المهني للفيلق وانتزاعا لهويته العسكرية لصالح هوية دينية خالصة.
أصوات المعارضة: من الوسط الأكاديمي إلى المحاكم
لم تكتف منظمات المجتمع المدني بالمتابعة الصامتة. فقد رفعت منظمة "أمريكيون متحدون لفصل الكنيسة عن الدولة" دعوى قضائية تتهم فيها هيجسيث بتوظيف منصبه الرسمي وموارد دافعي الضرائب لفرض دينه المفضل على المؤسسة العسكرية، وفقا لصحيفة ديترويت نيوز.
وعلى الصعيد الأكاديمي، قالت المؤرخة رونيت ستال من جامعة كاليفورنيا في بيركلي: "التحول نحو الخصوصية الدينية المتمثلة في ذكر يسوع المسيح تحديدًا، وبالتالي المسيحية، وفي حالة هيجسيث شكل محدد من البروتستانتية، أمرٌ جديد، لا سيما حين يصدر عن وزير الحرب."
وتذهب الانتقادات أبعد من مجرد التوظيف السياسي للدين. فقد وصلت إلى المفتش العام للجيش شكاوى من عناصر في الخدمة الفعلية تتضمن ادعاءات بأن قادة عسكريين أبلغوا جنودهم بأن الحرب جزء من الخطة الإلهية، بل إن بعضهم زعم أن العمليات المشتركة الأمريكية الإسرائيلية ستعجل بالنهاية الأخروية مستشهدين بسفر الرؤيا.
في المقابل، يدافع هيجسيث عن نهجه بلا اعتذار. وفي لقاء مع مجمع المذيعين المسيحيين، قال: "نفعل ذلك أساسا لأنني أنا من يحتاجه أكثر من أي شخص آخر. نسمع كثيرًا من أتباع تيار 'التحرر من الدين'، إنهم يكرهون الأمر، وصراخ اليسار يعني أننا نصيب الهدف تمامًا."
البابا ليو الرابع عشر: صوت الفاتيكان في مواجهة واشنطن
على بعد آلاف الأميال من البنتاجون، كانت ساحة القديس بطرس في الفاتيكان تشهد يوم أحد الشعانين مشهدا مغايرا تمامًا. أمام عشرات الآلاف من المصلين، وقف البابا ليو الرابع عشر ليُلقي عظته مهديًا إياها لضحايا الحروب الدائرة، مؤكدًا أن الإله الذي يؤمن به هو "ملك السلام الذي يرفض الحرب، الذي لا يمكن لأحد أن يستخدمه لتبرير الحرب".
وأضاف في عبارة بدت ردا مباشرًا على خطاب البنتاجون: "إنه لا يسمع صلوات من يشنون الحروب، بل يرفضها قائلا: حتى وإن أكثرتم من الصلوات لن أسمع؛ يداكم مليئتان بالدماء."
ولم يكن هذا أول احتكاك للبابا مع ثقافة تمجيد الحرب. ففي السادس عشر من مارس، خاطب طاقم برنامج TG2 التلفزيوني الإيطالي، مؤكدًا أن على الصحفيين "إظهار المعاناة التي تحملها الحرب دائمًا على الناس؛ إظهار وجه الحرب وروايتها من خلال عيون الضحايا، حتى لا تتحول إلى لعبة فيديو."
وفي حين حرص البابا على إبقاء رسائله بعيدة عن التسمية المباشرة للأطراف، كان عدد من رجال الكنيسة أكثر صراحةً؛ إذ وصف الكاردينال روبرت مكيلروي، رئيس أساقفة واشنطن، الحرب بأنها "غير قابلة للتبرير أخلاقيًا". أما بطريرك القدس اللاتيني الكاردينال بيرباتيستا بيتزابالا، فقد أعلن أن "إساءة استخدام اسم الله وتوظيفه لتبرير هذه الحرب وأي حرب أخرى، هو أشد الخطايا التي نقترفها في هذا الوقت"، وفقا لصحيفة مليتري تايمز العسكرية.
ديناميكية متصاعدة بلا أفق واضح
يكشف المشهد الراهن عن انقسام عميق يتجاوز السياسة إلى صميم الهوية الدينية الأمريكية ذاتها. بين وزير يوجه فيلق القساوسة العسكريين نحو هوية دينية خالصة، والبابا الذي يصر على تذكير العالم من ساحة القديس بطرس بأن اسم الله لا يستخدم ذريعة للقتل، تتجلى في هذا الصراع اللاهوتي الصامت معالم أزمة أعمق تمس سؤالًا حضاريًا قديمًا: هل يمكن لأي طرف في معمعة الحرب أن يدعي احتكار الإرادة الإلهية؟
وبينما يرى منتقدو الوزير الأمريكي بيت هيجسيث أن ما يجري يهدد التماسك في صفوف جيش متعدد الأديان والثقافات، تقف وزارة الحرب على موقفها الراسخ بأن "الإيمان المسيحي متجذر بعمق في نسيج الأمة الأمريكية"، وفق ما أعلنته المتحدثة باسم البنتاجون، وفقا لصحيفة نيوز نيشن ناو، غير أن هذه الحجة لا تنطوي على إجابة للسؤال الذي طرحه البابا حول قبول دعوات مشعلي الحروب.