الثلاثاء 24 مارس 2026 الموافق 05 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

هل دق كير ستارمر المسمار الأخير في نعش الناتو

الرئيس نيوز

مع اندلاع الحرب الإيرانية وتداعياتها على أوروبا، فجر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر جدلًا واسعًا داخل حلف شمال الأطلسي بتصريحات اعتبرت تقويضا مباشرا لروح التضامن عبر الأطلسي. ستارمر دعا إلى مراجعة الالتزامات العسكرية البريطانية وألمح إلى ضرورة أن تتحمل أوروبا عبء الدفاع عن نفسها بعيدًا عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. هذه التصريحات أثارت ارتباكًا في العواصم الأوروبية وقلقًا في واشنطن، حيث اعتبرها البعض بداية لتفكك تدريجي في الحلف.

 

ووفقا لمؤسسة هريتدج، فإن الحرب الإيرانية كشفت عن توترات عميقة في التحالف عبر الأطلسي، وأظهرت ضعفًا وترددًا لدى القادة الأوروبيين، وهو ما قد يلحق ضررًا بالغًا بالشراكة بين الولايات المتحدة وأوروبا ويضع مستقبل الناتو على المحك. المؤسسة وصفت رد فعل ستارمر بأنه "مخزٍ" وأكدت أن الموقف الأوروبي برمته بدا وكأنه "طعنة في ظهر الشعب الأمريكي"، مشيرة إلى أن هذا الموقف يعزز ما قاله ترامب سابقًا عن "عدم موثوقية الحلفاء الأوروبيين".  

 

ارتباك داخل الحلف
تصريحات ستارمر أحدثت صدمة واضحة داخل الناتو. واعتبرت دول أوروبا الشرقية، التي ترى في الحلف ضمانة وجودية ضد روسيا، كلامه تهديدًا مباشرًا لأمنها. أما فرنسا وألمانيا، فقد أبدتا تفهمًا نسبيًا لفكرة تعزيز الاستقلالية الأوروبية، لكنهما حذرتا من أن أي انسحاب بريطاني من الالتزامات سيضعف الحلف في لحظة حرجة. وأعربت الولايات المتحدة عن قلق بالغ، إذ ترى أن أي تصدع في الناتو سيمنح روسيا وإيران فرصة لتوسيع نفوذهما في الشرق الأوسط وأفريقيا.  

 

البعد السياسي الداخلي
ولفتت مؤسسة هيرتدج إلى أن ستارمر لم يتحدث في فراغ، بل جاء موقفه في سياق داخلي ضاغط. الاقتصاد البريطاني يعاني من تبعات الحرب، والشارع يطالب بتقليص الإنفاق العسكري لصالح دعم الخدمات العامة. المعارضة استغلت تصريحاته لتصويره كزعيم يغامر بمكانة بريطانيا الدولية، بينما أنصاره اعتبروا أنه يضع مصلحة المواطن البريطاني فوق حسابات التحالفات التقليدية. هذا التباين يعكس أزمة هوية داخل السياسة البريطانية بين الالتزام بالتحالفات القديمة والسعي إلى استقلالية جديدة.  

 

غضب في واشنطن
تجاوز الغضب الأمريكي من الموقف الأوروبي البيت الأبيض ليصل إلى الكونجرس. ووصف أعضاء بارزون في مجلس الشيوخ البحرية الملكية البريطانية بأنها "ظل صدئ لمجدها السابق"، وأكدوا أن الموقف البريطاني ألحق ضررًا بالغًا بالعلاقة الخاصة بين واشنطن ولندن. 

 

أما الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد صرح بأن ستارمر "ليس ونستون تشرشل"، في إشارة إلى فقدان بريطانيا لروح القيادة التاريخية التي ميزتها خلال الحرب العالمية الثانية. هذه التصريحات تعكس حجم الإحباط الأمريكي من موقف أوروبا، الذي بدا متناقضًا مع مطالبها السابقة بزيادة الدعم الأمريكي لأوكرانيا.  

 

انعكاسات على مستقبل الناتو
الموقف البريطاني يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول مستقبل الناتو. إذا قررت لندن تقليص دورها، فإن ذلك سيضعف الحلف عسكريًا وسياسيًا، ويشجع أصواتًا أخرى في أوروبا على المطالبة بمراجعة الالتزامات. هذا السيناريو قد يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الدولية، وربما ولادة ترتيبات أمنية جديدة خارج إطار الناتو. في المقابل، قد يدفع الحلف إلى إصلاح داخلي يعزز من تماسكه ويعيد تعريف دوره في عالم يتغير بسرعة.  


مثلت تصريحات ستارمر لحظة فارقة في مسار الناتو. البعض يرى فيها المسمار الأخير في نعش الحلف، والبعض الآخر يعتبرها جرس إنذار لإصلاحه قبل أن ينهار. في كل الأحوال، فإن الحرب الإيرانية وما تفرضه من ضغوط اقتصادية وأمنية تجعل من هذه التصريحات أكثر خطورة وتأثيرًا، وتضع مستقبل حلف شمال الأطلسي،   الناتو، أمام مفترق طرق تاريخي، حيث يواجه الحلف أزمة ثقة غير مسبوقة عبر المحيط الأطلسي.