صفقة فنزويلا تكشف النقاب عن السياسة الخارجية لإدارة ترامب.. الاستحواذ العدائي على دولة بأكملها
منذ نفذت قوة من الكوماندوز الأمريكي في فجر الثالث من يناير عملية خاطفة في كاراكاس، واعتقلت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، احتدمت النقاشات حول العقلية التي يدير بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسته الخارجية، وفقا لمجلة ذا أتلانتيك.
ونقلت القوة مادورو إلى سفينة عسكرية أمريكية تمهيدا لمحاكمته بتهم تتعلق بتهريب المخدرات. أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بعد ساعات أن الولايات المتحدة ستدير فنزويلا مؤقتًا إلى أن يتم تنظيم انتقال سياسي منظم. أثار الإعلان موجة واسعة من التساؤلات في واشنطن وكاراكاس معًا.
حاول المراقبون فهم ما جرى: هل نفذت الولايات المتحدة تغييرًا للنظام أم أعادت تشكيل السلطة بطريقة مختلفة؟ دفعت هذه الحيرة كثيرًا من المحللين إلى استخدام تشبيه غير مألوف. وشبهت مجلة ذا أتلانتيك الأمريكية البارزة ما حدث بعملية استحواذ عدائي على دولة كاملة، وهو وصف يستعير لغة الأسواق المالية من وول ستريت لتفسير ما جرى.
تعاملت واشنطن مع فنزويلا كصفقة مالية
نظر صناع القرار في واشنطن إلى فنزويلا باعتبارها اقتصادًا متعثرًا يمتلك موارد ضخمة. وانهار الاقتصاد الفنزويلي بعد سنوات من سوء الإدارة والفساد. تراجع حجم الاقتصاد من نحو ثلاثمئة وسبعين مليار دولار قبل عقد إلى ما يقارب ثمانين مليار دولار فقط. أدى التضخم المفرط وانهيار قطاع النفط إلى شلل اقتصادي واسع.
وجعل هذا الانهيار فنزويلا تبدو كأنها شركة كبيرة تعثرت لكنها ما زالت تمتلك أصولًا ثمينة. دفع هذا التصور بعض صناع القرار إلى التفكير في إعادة تشغيل الاقتصاد الفنزويلي بطريقة تشبه إعادة هيكلة الشركات المفلسة.
استخدمت واشنطن الضغط الاقتصادي
فرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات الاقتصادية على الحكومة الفنزويلية. حرمت هذه العقوبات الحكومة من الوصول إلى الأسواق المالية الدولية. قيدت الإجراءات قدرة الدولة على بيع النفط بحرية أو إعادة تمويل ديونها. أدى هذا الضغط المالي إلى إضعاف الاقتصاد بصورة كبيرة. واستخدم المستثمرون في عالم المال أسلوبًا مشابهًا عندما يسعون إلى إجبار إدارة شركة متعثرة على القبول بصفقة استحواذ أو تغيير إدارتها. عملت العقوبات في الحالة الفنزويلية كأداة ضغط اقتصادي هدفت إلى تقليص قدرة النظام على الاستمرار.
دعم المعارضة لتغيير القيادة
فيما دعمت الولايات المتحدة المعارضة الفنزويلية لسنوات باعتبارها البديل السياسي المحتمل. واعترفت واشنطن بالسياسي الفنزويلي خوان غوايدو رئيسًا شرعيًا للبلاد. سعت هذه الخطوة إلى إضعاف القيادة القائمة وإحلال قيادة جديدة أكثر تقاربًا مع السياسات الاقتصادية الغربية. غير أن التطورات اللاحقة غيرت المسار المتوقع. أبقت واشنطن بعد اعتقال مادورو على نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز في موقع القيادة بدل تسليم السلطة للمعارضة. حافظ هذا القرار على مؤسسات الدولة الأساسية مع تغيير مركز القرار الفعلي.
وضعت التطورات النفط في قلب المعادلة
وامتلكت فنزويلا أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم. مثل هذا المورد مصدر ثروة هائلة إذا أُعيد تشغيله بكفاءة. أدى انهيار الإدارة الاقتصادية إلى تراجع إنتاج النفط بشكل كبير خلال السنوات الماضية.
ودفعت التطورات الأخيرة إلى ارتفاع صادرات النفط الفنزويلية بعد إعادة فتح قنوات التسويق الدولية. رافقت هذه الخطوات ترتيبات مالية جديدة فرضت رقابة أشد على عائدات النفط، الأمر الذي حد من قدرة المسؤولين المحليين على التحكم الكامل في الإيرادات.
وراقبت شركات الطاقة العالمية وصناديق الاستثمار التطورات في فنزويلا باهتمام كبير. تابعت هذه الجهات احتمالات إعادة تشغيل قطاع النفط واستعادة الإنتاج تدريجيًا. رأت بعض المؤسسات الاستثمارية في هذه التطورات فرصة لاستعادة قيمة الأصول الفنزويلية بعد سنوات من الانهيار. دفعت هذه التوقعات كثيرًا من المستثمرين إلى متابعة الملف الفنزويلي بوصفه أحد أكبر الرهانات الاقتصادية في قطاع الطاقة.
المخاطر الكامنة
وأظهرت التطورات أن محاولة إعادة تشكيل دولة كاملة تنطوي على مخاطر كبيرة. لم ينهَر النظام السياسي القديم بالكامل، ولم تتمكن المعارضة من السيطرة على الحكم. استمرت الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي يعيشها ملايين الفنزويليين. كشف هذا الوضع حدود أي محاولة لإدارة دولة كما تُدار شركة تجارية. وضع هذا الواقع أيضًا واشنطن أمام احتمال تحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية عن نتائج المرحلة الجديدة.
عقلية تجارية غير مسبوقة في السياق السياسي
كما أظهرت هذه التجربة تحولًا واضحًا في طريقة التفكير في السياسة الخارجية. إذ استخدمت الإدارة الأمريكية أدوات اقتصادية ومالية تشبه أدوات المستثمرين في الأسواق. تعامل بعض صناع القرار مع فنزويلا بوصفها مشروعًا اقتصاديًا يمكن إعادة تنظيمه بدل التعامل معها فقط كدولة ذات سيادة. أبرز هذا المنطق كيف تداخلت لغة الأسواق المالية مع قرارات السياسة الدولية.