مجلة أمريكية: وكأنه فيلم أكشن.. وزير الحرب هيجسيث يفتقد الرؤية والهدف في ملف إيران
يطل وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث عبر الشاشات فيما يتعلق بالمشهد الإيراني، وكأنه قد قرر أن يتقمص دور أحد أبطال أفلام الأكشن، فيطلق تصريحات نارية ويعد بانتصارات كاسحة، لكنه يفتقد الرؤية الاستراتيجية والهدف الواضح، وفقا لتحليل كتبه الصحفي ساشين جوزيه، ونشرته مجلة ذا ويك التي ترجح أن هذا التناقض بين الخطاب الدعائي والواقع العسكري يجعل المواجهة مع إيران تبدو كسلسلة مشاهد درامية بلا سيناريو محكم، حيث تتوالى الأحداث دون أن يظهر المشهد الختامي.
وتابع ساشين جوزيه، المراسل ومحرر الشؤون الدولية، قائلا إن المشهد، كما تراه الأعين الخارجية والداخلية، يبدو مشحونا بالتوتر والإثارة، لكنه يفتقر إلى إطار واضح يحدد النهاية والنتائج المتوقعة.
لغة الموت والدمار
يتحدث هيجسيث في مؤتمراته الصحفية بلهجة استعراضية، يصف القاذفات والطائرات المسيرة بأنها "تمطر الموت والدمار من السماء طوال اليوم"، ويكرر عبارات مثل "هم محروقون ويعلمون ذلك" و"نحن نلعب للفوز الكامل". هذه اللغة العدوانية توحي بالثقة المفرطة، لكنها تفتقر إلى الرصانة التي ينتظر أن يتحلى بها مسؤول حكومي رفيع المستوى من المفترض أنه يتحدث عن حرب وأرواح بشرية. فصحيح أن هذا الخطاب يبرز القوة، لكنه يخفي الفراغ في استراتيجية واضحة، ويغيب عنه أي تأمل في النتائج الحقيقية على الأرض أو تبعاتها الإنسانية.
دعاية بلا هيبة أو أساس أخلاقي
يرى الباحثون أن هيجسيث وإدارة ترامب يرفضون الالتزام بما تستوجبه المواقف العامة الحرجة من خطاب مسؤول ومقنع للرأي العام، إذ يبدو أن شعار هذه الإدارة هو أنه لن يملي عليها أحد ما تقوله أو كيف تقوله. وقد وصل الأمر إلى حد نشر البيت الأبيض مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تمزج بين لقطات الغارات الحقيقية على إيران ومقاطع من ألعاب الفيديو وأفلام هوليوود، وهو ما وصفه المنتقدون بأنه دون مستوى هيبة البيت الأبيض، وجاء قبل يوم واحد فقط من مراسم استقبال رفات الجنود الأمريكيين القتلى. هذه الممارسة تحول الملف العسكري إلى مادة دعائية ترفيهية أكثر من كونها أداة للسياسة أو الدفاع الوطني.
الحرب ليست حدثا ترفيهيا
تزامن خطاب هيجسيث مع حملة دعائية أوسع من البيت الأبيض، حيث أطلقت الإدارة مقاطع فيديو على منصات التواصل الاجتماعي تمزج بين مشاهد من أفلام المصارع والمهمة المستحيلة والرجل الحديدي وجون ويك مع لقطات حقيقية لضربات عسكرية في إيران. حتى شخصيات كرتونية مثل سبونج بوب ظهرت في هذه المقاطع، ما جعل الحرب تبدو كأنها إحدى ألعاب الفيديو أو عرض سينمائي مثير.
كما أوضح مقال في مجلة "مس" الأمريكية، فإن هذه الدعاية على مواقع التواصل الاجتماعي الشهيرة لا تقتصر على سوء الذوق أو الاستعراض، بل تكشف عن مرض ثقافي أعمق في السياسة الأمريكية، حيث يعاد إنتاج صورة الرجولة المفرطة بوصفها قدرة على سحق الخصوم، بينما ينظر إلى التعاطف والدبلوماسية باعتبارهما ضعفا. هذا المزج بين هوليوود وألعاب الفيديو والضربات العسكرية يعكس ما وصفه الباحثون بـ"حرب الميمات"، أي تحويل الحرب إلى محتوى قابل للنقر والإعجاب والمشاركة، بدلا من التعامل معها كحدث مأساوي يطال المدنيين والأطفال والجنود على حد سواء.
نقد ثقافي وسياسي
ينتقد خبراء الإعلام والسياسة هذا النهج باعتباره انعكاسا لثقافة أمريكية أوسع، حيث ينظر إلى الرجولة على أنها قدرة على سحق الخصوم. يوضح الباحثون أن هذه الصور تعزز أسطورة قديمة تربط القوة بالهيمنة وتعتبر التعاطف ضعفا.
وفي هذا السياق، يصبح هيجسيث رمزًا لخطاب ذكوري مفرط، يختزل الحرب في مشاهد نصر سريعة ويغفل عن تكاليفها الإنسانية، تاركًا فراغًا استراتيجيًا يهدد مصداقية الولايات المتحدة على المستوى الدولي والداخلي.
التناقضات والنتائج
إيران: تستغل هذه التناقضات لتأكيد صمودها أمام "التهديدات الفارغة"، وتوظف الخطاب الأمريكي كدليل على غياب استراتيجية متماسكة.
إسرائيل: تجد نفسها أمام قيادة أمريكية تفتقد الوضوح، ما يضعف التنسيق الاستراتيجي ويجعلها تتحمل عبء مواجهة طويلة الأمد.
الولايات المتحدة: تواجه خطر فقدان المصداقية الدولية إذا استمرت في إطلاق تصريحات بلا نتائج ملموسة، ما يضعف قدرتها على ردع إيران ويزيد من الانقسام الداخلي، ويجعل الرأي العام في الداخل الأمريكي أكثر انقساما بين من يرى خطاب القوة استعراضًا فارغًا وبين من يراه حزمًا وجرأة.
التكلفة الإنسانية
بينما تعرض الحرب كفيلم أكشن، يغيب عن المشهد آلاف المدنيين الذين يفرون من القصف، والأطفال الذين يُدفنون بعد ضربات على مدارسهم، والجنود الذين يعودون محملين بآثار الصدمة النفسية. كما أظهرت صور من إيران، فإن الواقع بعيد تمامًا عن المشاهد الدعائية التي تبثها واشنطن. الواقع الإنساني، الضحايا، والدمار الممتد، يشكل تذكيرًا صارخًا بما ينقص هذا الخطاب: تقدير حقيقي للتكلفة الإنسانية والمسؤولية الأخلاقية.
وجسد بيت هيجسيث صورة الوزير الذي يتحدث بلغة القوة والتهديد، لكنه يفتقد الرؤية والهدف في إدارة ملف إيران. هذا التناقض بين الخطاب والواقع يجعل المواجهة تبدو كأنها فيلم أكشن بلا سيناريو محكم، حيث تتوالى المشاهد الدرامية دون أن يظهر المشهد الختامي. وانتقدت الكاتبة الخطاب الاستعراضي، والدعاية المثيرة، ولغة الموت والدمار، إذ أن كلها عناصر تجعل الصراع يبدو كعرض طويل بلا خطة واضحة، وتضع سؤالا محوريا حول قدرة واشنطن على تحويل خطاب الأكشن إلى استراتيجية واقعية بدلا من أن تظل المواجهة مجرد استعراض بلا نهاية.