قرار وقف الخدمات بسبب أحكام النفق.. القاضي السابق الدكتور نزيه الحكيم يوضح "الرئيس نيوز" بقراءة دستورية وقانونية
أثار القرار الصادر عن وزارة العدل والمنشور في الوقائع المصرية بشأن تعليق بعض الخدمات الحكومية للمحكوم عليهم في جرائم الامتناع عن دفع النفقة جدلًا قانونيًا واسعًا، ليس فقط بسبب آثاره العملية، بل أيضًا لما يطرحه من تساؤلات عميقة تتعلق بالطبيعة القانونية لهذا الإجراء وحدود السلطة التنظيمية للإدارة في الدولة القانونية.
القاضي السابق المستشار الدكتور نزيه الحكيم، قال في حديثه مع "الرئيس نيوز" أن القرار في جوهره، لا يُعد قانونًا جديدًا، بل هو قرار تنظيمي إداري صادر عن وزير العدل لتنظيم آثار تنفيذ الأحكام الجنائية الصادرة في جريمة الامتناع عن دفع النفقة المنصوص عليها في المادة 293 من قانون العقوبات.
وتابع أنه بموجب هذا القرار، يتم تعليق تقديم بعض الخدمات الحكومية للمحكوم عليه إذا صدر ضده حكم نهائي بالإدانة وامتنع عن تنفيذ التزامه المالي، وذلك إلى حين سداد النفقة أو تقديم شهادة تفيد براءة ذمته.
ومن حيث الطبيعة القانونية، يوضح المستشار نزيه إن القرار لا ينشئ جريمة جديدة ولا يقرر عقوبة جنائية مستقلة، لأن العقوبة الأصلية لهذه الجريمة مقررة سلفًا في قانون العقوبات، وهي الحبس أو الغرامة، غير أن القرار يرتب أثرًا إداريًا لاحقًا على الحكم الجنائي يتمثل في ربط الحصول على بعض الخدمات الحكومية بتنفيذ الحكم القضائي.
وهنا يثور التساؤل الجوهري: هل يعد هذا الإجراء مجرد تنظيم إداري للمرافق العامة، أم أنه في حقيقته جزاء إضافي يجاوز حدود السلطة التنظيمية للإدارة؟
وأوضح القاضي السابق أن القاعدة الدستورية المستقرة تقضي بأن الأصل في الدولة القانونية أن تكون العقوبات محددة بنص تشريعي صادر عن السلطة التشريعية، تطبيقًا لمبدأ الشرعية الجنائية الذي يقوم على قاعدة: "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، ومن ثم فإن أي إجراء ينطوي على حرمان المواطن من حقوق أو مزايا عامة يجب أن يستند إلى أساس قانوني صريح يجيزه ويحدد نطاقه.
ومن هذه الزاوية يثور الجدل حول مدى اتساع سلطة الوزير في إصدار مثل هذا القرار. فالوزير يملك بلا شك سلطة تنظيم المرافق العامة وإدارة الخدمات الحكومية، غير أن هذه السلطة التنظيمية لا تمتد إلى إنشاء قيود تمس الحقوق العامة للمواطنين ما لم يكن ذلك مستندًا إلى تفويض تشريعي واضح.
فالسلطة التنظيمية بطبيعتها سلطة تنفيذية، وظيفتها تنفيذ القوانين وتيسير تطبيقها، لا ابتكار قواعد جديدة تمس مراكز قانونية جوهرية للمواطنين.
وأضاف أن القرار يثير مسألة أخرى تتعلق بما يمكن تسميته بازدواج الجزاء، إذ إن جريمة الامتناع عن دفع النفقة لها بالفعل عقوبات محددة في قانون العقوبات، وعليه فإن تعليق الخدمات الحكومية قد يُفهم على أنه جزاء إضافي يضاف إلى العقوبة الجنائية الأصلية، وهو ما قد يفتح باب النقاش حول مدى توافق هذا الإجراء مع مبدأ التناسب في الجزاء.
في المقابل، قد تدافع الإدارة عن القرار باعتباره ليس عقوبة جديدة، بل وسيلة إدارية لحث المحكوم عليه على تنفيذ حكم قضائي واجب النفاذ، خاصة أن الهدف منه **حماية حقوق الزوجة والأبناء وضمان وصول النفقة إليهم، وهي اعتبارات اجتماعية وإنسانية لا يمكن إغفالها.
ومن ثم فإن التكييف القانوني الذي قد تتبناه الإدارة هو أن القرار يمثل أداة تنظيمية لضمان فعالية تنفيذ الأحكام القضائية، وليس جزاءً عقابيًا مستقلًا.
وعلى هذا الأساس، يبقى التقييم النهائي لهذا القرار مرهونًا بميزان دقيق بين مبدأ سيادة القانون من ناحية، واعتبارات حماية الحقوق الاجتماعية من ناحية أخرى. فالدولة الحديثة مطالبة في آن واحد باحترام الضمانات الدستورية للمواطنين، وفي الوقت ذاته بتوفير الآليات الفعالة لتنفيذ الأحكام القضائية وعدم تركها حبرًا على ورق.
ومن ثم فإن النقاش القانوني الحقيقي لا يدور حول أهمية حماية حقوق أصحاب النفقة، فذلك أمر لا خلاف عليه، وإنما يدور حول الوسيلة القانونية السليمة لتحقيق هذا الهدف دون تجاوز لحدود السلطة التنظيمية أو مساس بالمبادئ الدستورية المستقرة.