المنطق الخطير لعمليات التضليل: كيف يمكن لإسرائيل جر المنطقة إلى حرب أوسع؟
في خضم حرب تتسع دوائرها يوما بعد يوم، يطرح المحلل السياسي البريطاني بيتر رودجرز في مقال نشره موقع ميدل إيست مونيتور سؤالا يقض مضاجع عواصم المنطقة: ماذا يحدث حين تعجز دولة عن تحمل تكاليف حرب بدأتها وحدها، فتلجأ إلى تصنيع الأسباب لتورط الآخرين فيها؟ وقد غدا هذا السؤال أكثر إلحاحا بعد عشرة أيام من الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران التي ردت بإعلان المنشآت العسكرية الأمريكية في دول الخليج العربي أهدافا مشروعة للانتقام، مستندة إلى دورها في دعم ما وصفه بعض المحللين بـ"عملية المطرقة منتصف الليل."
لا يكتفي رودجرز بالتحليل المجرد، بل يستحضر سابقة تاريخية موثقة تكشف عمق هذا المنطق في الاستراتيجية الإسرائيلية؛ إذ يستذكر "عملية سوزانا" الشهيرة بـ"فضيحة لافون" عام 1954، حين جندت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية يهودا مصريين لزرع متفجرات في دور السينما والمكتبات والمراكز الثقافية الأمريكية في القاهرة والإسكندرية، بهدف إشعال موجة من الفوضى والمشاعر المعادية للغرب تضر بعلاقات مصر مع الولايات المتحدة وبريطانيا.
وقد انتهت العملية بفضيحة أطاحت بالحكومة الإسرائيلية حين كُشف أمر منفذيها، لكنها أثبتت في الوقت ذاته — وهذا هو الدرس الأخطر — أن منطق الاستفزاز المحسوب يملك جذورا عميقة: "حين يكون الصدام المباشر باهظ التكلفة، يغدو الإغراء بتوريط الآخرين في حربك عقلانيا لا أخلاقيا."
من يختار الحرب؟
يرسم رودجرز في مقاله صورة مقلقة للمشهد الراهن؛ فرغم أن دول المنطقة — من العرب إلى تركيا — أبدت قبل التصعيد الأخير معارضة صريحة لأي ضربة على إيران وسعت إلى الوساطة وأبقت قنوات الاتصال مفتوحة، فإن الحرب جاءت مع ذلك.
والآن وقد بات الرصيد الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة يتآكل تحت وطأة الصواريخ الإيرانية التي تستهدف أساسا الأراضي الإسرائيلية، بات من "غير المستدام ومن غير المرغوب فيه إسرائيليا" أن تنفرد إسرائيل بتحمل ثمن هذه الحرب. وعليه يطرح الكاتب السؤال العملي بصراحة مُثيرة للقلق: كيف تجعل دولة الخليج أو تركيا أو قبرص تختار الانحياز؟ الجواب الذي يتجنب كثيرون قوله بصراحة هو: "تُصنع لها السبب."
سيناريوهات الاستدراج إلى الحرب
يستعرض رودجرز جملة من السيناريوهات التي قد تُفضي إلى تورط أطراف جديدة في الصراع؛ هجوم على قاعدة أطلسية في تركيا في ظروف ملتبسة قد يُفعّل المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو، أو تفجير في منطقة مدنية بطائرات مسيرة ذات طابع إيراني لا يمكن إثباتها قطعيا، أو الكشف عن شبكة إيرانية الارتباط في دولة خليجية.
وفي كل هذه الحالات "تجد حكومة كانت تريد البقاء خارج الحرب نفسها تحت ضغط لا تستطيع مقاومته."
ويلفت الكاتب إلى أن المنطقة تعيش أصلا في ظل اتهامات متقاطعة بعد الهجمات التي طالت منشآت أمريكية في الأردن والسعودية وقطر والعراق والبحرين والكويت والإمارات، في بيئة باتت فيها نسبة الهجمات إلى أصحابها الحقيقيين أمرا عسيرا حتى على أجهزة الاستخبارات المتخصصة.
المنطق الأخطر: استنزاف الآخرين
يختتم رودجرز تحليله بخلاصة تبدو مريرة في بساطتها: "الدولة التي لا تستطيع تحمل تكاليف الحرب منفردة لديها كل الحوافز لتوزيع هذه التكاليف."
وفي منطقة مشبعة بالسلاح والمظالم وأجهزة الاستخبارات المتنافسة، فإن "صناعة الأزمة ليست أمرا عسيرا، بل تحتاج فحسب إلى صبر ودقة واستعداد لقبول احتراق الآخرين."
وقد آثرت الحكومات العربية حتى الآن التعامل بضبط نفس مع الضربات التي طالت أراضيها، مكتفية بالإدانة اللفظية ورافضة الانزلاق نحو المواجهة المباشرة. غير أن هذا الموقف — في منطق عمليات الأعلام الكاذبة — بات في حد ذاته عقبة في طريق من يريد توسيع الحرب، والعقبات في هذا المنطق "صنعت لكي تزال."