رغم الضربات المكثفة.. 150 منصة صواريخ إيرانية لا تزال قادرة على الإطلاق
تكشف المعطيات الميدانية الأخيرة أن الضربات الأمريكية والإسرائيلية المتواصلة نجحت في تدمير مئات منصات إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية، لكنها لم تقضِ عليها بالكامل.
فبحسب تقديرات عسكرية حديثة، فقدت إيران نحو 310 منصات إطلاق منذ بدء العمليات، في حين لا تزال أكثر من 150 منصة قادرة على العمل والإطلاق.
ويعكس هذا الرقم حجم التحدي الهائل الذي تواجهه الحملة العسكرية في استهداف البنية التحتية الصاروخية لإحدى أكثر دول المنطقة تسليحًا وتحصينًا، وفقًا لموقع Defense Express.
تفوق جوي وتعقيدات ميدانية
منذ انطلاق عملية "الغضب الملحمي"، تحولت الأجواء الإيرانية إلى مسرح عمليات مفتوح للطائرات الحربية الأمريكية والإسرائيلية التي تنفذ طلعات مكثفة على مدار الساعة.
ونجحت القوتان في فرض تفوق جوي شبه كامل فوق مساحات واسعة من الأراضي الإيرانية، مستفيدتين من شبكة استخباراتية وتقنية متقدمة تضم أقمارًا اصطناعية وطائرات استطلاع مسيّرة ومقاتلات حديثة.
لكن هذا التفوق الجوي لا يترجم بالضرورة إلى حسم سريع على الأرض. فالتجربة الميدانية تكشف أن امتلاك السيطرة في السماء لا يعني بالضرورة القدرة على القضاء الكامل على القدرات الصاروخية المدفونة في أعماق الأرض.
أرقام تكشف حجم المعركة
في بداية العملية، قدّرت تقارير استخباراتية أن إيران تمتلك نحو 460 منصة لإطلاق الصواريخ الباليستية موزعة على نطاق جغرافي واسع، وقد جرى إخفاء جزء كبير منها داخل أنفاق وملاجئ محصنة تحت الأرض.
وبحلول الثامن من مارس، نقلت مصادر عسكرية إسرائيلية أن عدد المنصات العاملة انخفض إلى نحو 150 منصة فقط، ما يعني أن نحو ثلاثة أرباع القدرة الأصلية قد خرجت من الخدمة.
ورغم أن هذه النسبة تعكس نجاحًا عسكريًا واضحًا، فإنها في الوقت نفسه تُبرز مدى صعوبة القضاء الكامل على ما تبقى من هذه المنظومة. فالمنصات التي لا تزال تعمل ليست مجرد بقايا متفرقة، بل تمثل الجزء الأكثر تحصينًا وإخفاءً من الترسانة الصاروخية الإيرانية.
حرب الأنفاق والتحصينات
تبرز هذه المعركة درسًا عسكريًا مهمًا يتمثل في أن التحصينات الجبلية وشبكات الأنفاق يمكن أن تعقّد بشكل كبير مهمة الجيوش الأكثر تطورًا، فقد استثمرت إيران لعقود في بناء منشآت عسكرية تحت الأرض صُممت خصيصًا لتحمّل الضربات الجوية وإخفاء المنصات الصاروخية عن أنظمة الاستطلاع.
وحتى مع وجود أقمار اصطناعية ترصد التحركات العسكرية بشكل مستمر، وطائرات مسيّرة تحلق على ارتفاعات مختلفة، فإن اكتشاف منصات الإطلاق المدفونة في الأنفاق وتدميرها يظل عملية معقدة وبطيئة.
ولهذا السبب تشير التقديرات العسكرية الإسرائيلية إلى أن العمليات قد تستمر عدة أسابيع، وربما شهرًا كاملًا، لأن أي توقف مبكر قد يمنح طهران فرصة لإعادة تشغيل بعض المنصات أو إعادة نشرها.
البعد الجيوسياسي للحرب
لا تقتصر هذه المواجهة على بعدها العسكري فقط، بل تحمل أيضًا أبعادًا جيوسياسية أوسع. فهناك مخاوف إسرائيلية وغربية من أن تلجأ إيران إلى الصين أو كوريا الشمالية للحصول على دعم تقني يعيد بناء قدراتها الصاروخية.
وتاريخيًا، ارتبطت العلاقات العسكرية بين طهران وبيونغ يانغ بتعاون في مجال تكنولوجيا الصواريخ، وهو ما يثير قلقًا متزايدًا لدى دوائر الاستخبارات الغربية. ويشير محللون إلى أن تدمير منصات الإطلاق وحده لا يكفي إذا بقيت شبكات الدعم والإمداد الخارجية قائمة.
القدرات الصاروخية لم تُحسم بعد
رغم الضربات المكثفة، لم تتوقف إيران عن إطلاق الصواريخ، وإن بوتيرة أقل مما كانت عليه في بداية المواجهة.
فالتقارير تشير إلى استمرار الهجمات الصاروخية على أهداف إقليمية، ما يدل على أن طهران لا تزال تحتفظ بقدرة عملياتية ملموسة.
كما أسفرت الضربات الأمريكية والإسرائيلية عن تدمير مراكز قيادة ومستودعات ذخيرة ومقتل عدد من القادة العسكريين، الأمر الذي أضعف منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية، ومع ذلك، تظهر طهران قدرة ملحوظة على التكيّف وإعادة التنظيم في مواجهة الضغط العسكري المتصاعد.
الثلاثون في المئة الأصعب
يحذر خبراء عسكريون من قراءة مضللة للأرقام الحالية. فالقضاء على 70٪ من المنصات لا يعني أن القضاء على 30٪ المتبقية سيكون أسهل؛ بل إن الواقع قد يكون العكس تمامًا.
فالمنصات التي بقيت حتى الآن هي الأكثر تحصينًا والأصعب كشفًا، وغالبًا ما تكون مخفية داخل منشآت تحت الأرض أو في مواقع يصعب استهدافها. كما أن الإيرانيين باتوا أكثر دراية بتكتيكات الضربات الجوية، ما يمنحهم قدرة أكبر على المناورة وإخفاء منصاتهم.
حرب مفتوحة النهايات
كشفت المعركة الجارية ضد المنظومة الصاروخية الإيرانية عن واقع عسكري معقد يتجاوز الحسابات الأولية، فهي ليست مجرد حملة لتدمير أسلحة، بل سباق بين القوة العسكرية والتكيّف الدفاعي.
وبينما تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تحقيق شلل كامل في القدرات الصاروخية الإيرانية، تحاول إيران الحفاظ على ما تبقى من أدوات الردع لديها. فهل تكفي أسابيع من الضربات الجوية لحسم هذه المعركة، وفقًا للتقديرات الأمريكية الأولية، أم أن المواجهة مرشحة للاستمرار لفترة أطول مما هو متوقع؟





