الإثنين 09 مارس 2026 الموافق 20 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

"الإندبندنت": "الخوارزمية الأسرع" تحسم حروب 2026.. وداعا لزمن الرؤوس الحربية الثقيلة

الرئيس نيوز

تشهد العقيدة العسكرية العالمية اليوم تحولات بنيوية خطيرة تفوق في خطورتها اختراع البارود أو انشطار الذرة كإنجازات عسكرية لافتة في القرن الماضي؛ ويعيش العالم اليوم إرهاصات "الثورة الصناعية الرابعة" في ساحات القتال، حيث لم تعد الغلبة لمن يمتلك الرأس الحربي الأثقل، بل لمن يمتلك "الخوارزمية" الأسرع، وفقًا لصحيفة الإندبندنت البريطانية.

وفي العمليات الأخيرة التي استهدفت النظامين الفنزويلي والإيراني في العام الجاري، لم يكن "كلود" (Claude) مجرد روبوت دردشة للإجابة عن أسئلة تقنية، بل تحول إلى "سلاح سري" في ترسانة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أي أنه بات العقل المدبر لعمليات معقدة أطاحت برؤوس هرم السلطة في كاراكاس وطهران في أزمنة قياسية صدمت المحللين العسكريين.

سلسلة القتل الرقمية: من الأسابيع إلى الثواني

في السابق، كانت "سلسلة القتل" (Kill Chain) ــ وهي الدورة التي تبدأ برصد الهدف وتنتهي بتدميره ــ تمر بمراحل بيروقراطية وعملياتية معقدة. كان الأمر يتطلب غرفا تعج بمئات المحللين البشريين الذين يفرزون صور الأقمار الاصطناعية، ويقاطعون البيانات الاستخباراتية البشرية (HUMINT) مع الإشارات الإلكترونية (SIGINT)، ثم يرفعون التوصيات للمستشارين القانونيين لضمان التوافق مع قواعد الاشتباك، وصولا إلى القائد العسكري الذي يعطي أمر الضغط على الزناد. هذه العملية كانت تستغرق أياما، وأحيانا أسابيع.

أما اليوم، ومع دمج نموذج "كلود" التابع لشركة "أنثروبيك" ضمن نظام "مافن سمارت" (Maven Smart) الذي تديره شركة "بالانتير"، تقلصت هذه الدورة لتصبح "فورية". إذ يقوم الذكاء الاصطناعي الآن بمسح "تيرابايتات" من البيانات القادمة من أجهزة الاستشعار والمسيرات الاستطلاعية في ثوان، ومن ثم يحدد الأنماط، ويتوقع مسارات الهروب، ويقيم الأضرار الجانبية بدقة تفوق القدرة البشرية بمراحل. 

وأشارت الإندبندنت إلى أن ما حدث في الساعات الـ 24 الأولى من الهجوم على إيران، حيث تم ضرب أكثر من 1000 هدف استراتيجي، يثبت أن العالم يقف على أعتاب "تسونامي رقمي" عسكري لا يمكن للجيوش التقليدية مواجهته بالوسائل القديمة.

الصدام الكبير: "الأخلاقيات" في مواجهة "الواقعية السياسية"

هذا التفوق التقني لم يمر دون تكلفة سياسية وأخلاقية باهظة، إذ كشف الصدام بين إدارة ترامب وشركة "أنثروبيك" عن فجوة عميقة بين رؤية "وادي السيليكون" للعالم ورؤية "البنتاجون". فبينما تصر شركات التقنية على وضع ضوابط تمنع استخدام ذكائها الاصطناعي في "المراقبة الجماعية" أو "الأسلحة ذاتية التشغيل" (Autonomous Weapons)، يرى وزير الدفاع بيت هيجسيث أن هذه القيود هي نوع من "الترف الأخلاقي" الذي يهدد الأمن القومي الأمريكي.

وأشارت الصحيفة البريطانية إلى وصف الرئيس ترامب شركة "أنثروبيك" بأنها "يسارية متطرفة" لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة رفض الشركة منح الجيش وصولا كاملا وغير مقيد لـ "أحشاء" الخوارزمية. هذا النزاع يعكس جوهر الصراع القادم حول من يملك القرار النهائي في الحرب؟ هل هو القائد المنتخب، أم المهندس الذي وضع الأكواد البرمجية؟ ويشير لجوء واشنطن الفوري إلى شركة "أوبن أي آي" (OpenAI) بعد إلغاء صفقة "أنثروبيك" إلى أن قطار الأتمتة العسكرية قد غادر المحطة، وأن الإدارة الأمريكية مستعدة لاستبدال أي شريك تقني لا يتماشى مع عقيدة "التفوق المطلق".

أتمتة الموت وفوضى البيانات

تغرق الحروب الحديثة القادة في بحار من المعلومات؛ فالمسيرة الواحدة ترسل بيانات تفوق قدرة فريق كامل من البشر على تحليلها في الوقت الفعلي. هنا يبرز دور الأنظمة مثل "كلود" و"أدفانا" كمرشحات ذكية تحول "فوضى البيانات" إلى "وضوح عملياتي". 

ويؤكد الخبراء أن هذه الأنظمة لا تكتفي برصد الدبابات أو منصات الصواريخ، بل تقوم بـ "نمذجة السيناريوهات"؛ أي أنها تجري الآلاف من عمليات المحاكاة الافتراضية في الثانية الواحدة للتنبؤ برد فعل الخصم وتحديد المسار الذي يحقق أعلى مكسب استراتيجي بأقل كلفة سياسية.

لكن هذا الوضوح له وجه مظلم، فثمة فكرة "الهلوسة" في الذكاء الاصطناعي، التي قد يراها البعض مضحكة في الاستخدامات المدنية، ولكنها تصبح مرعبة في السياق العسكري. وذكرت صحيفة ميامي هيرالد أن قصف مدرسة ابتدائية في جنوب إيران، والذي راح ضحيته 150 مدنيا، يطرح السؤال الوجودي: إذا أخطأت الخوارزمية في تصنيف "مدرسة" على أنها "مخزن صواريخ" بناء على بيانات قديمة أو تحليل خاطئ للنمط، فمن يقف أمام المحكمة الدولية؟ هل هو المبرمج، أم القائد الذي وافق على مخرجات الآلة؟

نحو جيوش "بلا جنود": السباق العالمي

يبدو أن الولايات المتحدة ليست وحدها في هذا السباق، رغم تفوقها الحالي. وبينما تؤكد التقارير أن الصين وروسيا لم تصل بعد إلى دمج نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) بنفس الكثافة الأمريكية، إلا أن "مشروع القانون الكبير والجميل" الذي أقره ترامب بميزانيات تبلغ مئات الملايين من الدولارات للأبحاث العسكرية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، يضع العالم أمام سباق تسلح جديد يشبه سباق التسلح النووي في الخمسينيات.

الفرق هذه المرة هو أن السلاح النووي كان سلاح "ردع" لا يستخدم، أما الذكاء الاصطناعي فهو سلاح "استخدام يومي" يغير موازين القوى في اللحظات العادية والحروب الخاطفة. ويبدو أن سقوط خامنئي ومادورو ليس سوى البداية؛ فالدول التي لن تمتلك "سيادة خوارزمية" ستجد نفسها عاجزة تماما أمام جيوش تقاتل بسرعة الضوء وببرود الآلة.