الأربعاء 25 فبراير 2026 الموافق 08 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

مجلس السلام الأمريكي.. كيف يسعى ترامب لإعادة رسم ملامح العالم من واشنطن؟

الرئيس نيوز

في واشنطن العاصمة، عقد مجلس السلام، الكيان الذي أسسه الرئيس دونالد ترامب، اجتماعه الرسمي الأول في معهد دونالد ج. ترامب للسلام، وسط حفاوة واضحة من بعض الشخصيات الأجنبية والمسؤولين الأمريكيين الذين أسبغوا عليه الثناء بشكل مبالغ فيه، بما في ذلك فكرة منح “جائزة الرئيس ترامب” تقديرًا لمساهماته في السلام العالمي. 

وعلى الرغم من أن المجلس قد يواجه الفشل في تحقيق أهدافه، إلا أن تأثيره المحتمل على النظام الدولي، الذي كانت الولايات المتحدة محورا أساسيا فيه لعقود، يظل ملموسا. 

ويسعى ترامب من خلال هذا المجلس إلى فرض سيطرته الشخصية على عمليات صنع السلام، متجاوزًا المؤسسات التقليدية مثل مجلس الأمن، ومحاولا صياغة نظام دوليا يضعه هو وواشنطن في مركز كل القرارات، بغض النظر عن الشركاء الدوليين أو الأعراف الدولية القائمة، بما يعكس طموحًا لإعادة رسم ملامح النظام العالمي وفق رؤيته الخاصة كما ترجح مجلة نيويوركر الأمريكية

وركز المجلس في اجتماعه على جهود إعادة الإعمار والاستقرار في غزة، إلا أن حضور ترامب وجعله محور كل المبادرات ألقى بظلاله على النقاشات. فقد استهل الاجتماع بكلمة مطولة استعرض فيها سلسلة مبادراته الدبلوماسية المتخيلة، بينما ألمح في الوقت نفسه إلى إمكانية اندلاع حرب مع إيران، وهو ما يعكس استراتيجية مزدوجة تجمع بين الدعاية الدبلوماسية والتلويح بالقوة العسكرية. 

وأعلن ترامب أن الولايات المتحدة قد تخصص عشرة مليارات دولار لمجلس السلام، فيما تعهدت تسع دول أخرى بتقديم سبعة مليارات دولار إضافية لإعادة إعمار غزة، دون توضيح مصادر الأموال أو آليات صرفها، وسط غموض حول كيفية نشر القوة الدولية المقترحة التي تشمل عناصر عسكرية من إندونيسيا والمغرب.

وظلت التفاصيل الواقعية على الأرض في غزة مغيبة تقريبا في مناقشات المجلس، رغم أن السكان المدنيين يعيشون في ظروف صعبة، وأن حماس ترفض الانخراط الكامل في عملية نزع السلاح، فيما تمنع إسرائيل وصول المنظمات الإنسانية إلى بعض المناطق، وتبقى المسائل السياسية العالقة، مثل إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة، دون حل. 

وظهر المجلس في هذه الظروف أكثر كمشروع ترامب الشخصي للهيمنة على عملية السلام، حيث يتم وضع الولايات المتحدة، وشخص ترامب، في قلب كل القرارات، مع تجاهل واضح لوجود فلسطينيين في المناصب التنفيذية العليا، مما أثار انتقادات من شخصيات مثل البطريرك اللاتيني للقدس الذي وصف المشروع بأنه عملية استعمارية.

ويؤكد محللون دوليون أن مجلس السلام، بالرغم من ضخامة الحدث والدعاية المصاحبة له، يعكس تحديًا للنظام الدولي التقليدي الذي دعمت فيه الولايات المتحدة مؤسسات مثل الأمم المتحدة لعقود. فحتى بعد إنشاء المجلس، لم يتم ذكر غزة على الخرائط أو الشعارات، فيما تشمل العضوية دولًا بعيدة عن الصراع، أو تلك التي ترى في الانضمام فرصة لتعزيز مكانتها الجيوسياسية، إلى جانب حلفاء ترامب الذين يسعون لإرضائه دون وجود مصالح استراتيجية واضحة. 

وتشير هذه التحركات إلى أن الهدف الأوسع للرئيس الأمريكي هو خلق كيان يمكنه التحرك خارج القيود التقليدية للمؤسسات الدولية، مما يثير مخاوف من إضعاف الأمم المتحدة وإحداث خلل في قواعد التعاون الدولي.

في هذا السياق، يحذر خبراء مثل مايكل حنا، في تصريحاته للمجلة الأمريكية، من أن استمرار الوضع الحالي في غزة سيؤدي إلى تآكل المجتمع المدني، وتشريد تدريجي للسكان، مع احتمال اندلاع جولات جديدة من العنف في ظل عدم استعداد حماس للتنازل الكامل عن أسلحتها، وعدم وجود التزامات حقيقية من الجهات المانحة لضمان إعادة الإعمار بشكل مستدام. 

ويشير دانييل شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، إلى أن إسرائيل تتوقع فشل المجلس، كون نزع سلاح حماس يتطلب عملية عسكرية واسعة، ما قد يؤدي إلى تدمير الأموال المخصصة لإعادة إعمار غزة دون تحقيق أي نتائج دائمة.

ويبقى مجلس السلام الأمريكي، كما وصفه بعض المراقبين، مشروع ترامب الشخصي الذي يختبر مدى قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها خارج المؤسسات التقليدية، في الوقت الذي يشهد فيه النظام الدولي تحولات عميقة، ولا توجد قوة عالمية أخرى مستعدة لتعويض الفراغ الذي يتركه الانسحاب التدريجي للولايات المتحدة من المبادرات الدولية التقليدية. 

وأشارت المجلة إلى أن هذه الدينامية تجعل التجربة الأمريكية في مجلس السلام اختبارًا لمستقبل النظام الدولي نفسه، حيث تتقاطع الطموحات الفردية مع مصالح دولية هشة، في مشهد يعكس التحديات الكبرى أمام السياسة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط والعالم.