التحالف الباكستاني السعودي التركي: ترتيبات وفرص محفوفة بالمخاطر
وقعت المملكة العربية السعودية وباكستان في سبتمبر الماضي، اتفاقية الدفاع المشترك الاستراتيجي (SMDA) في قصر اليمامة بالرياض، وهي اتفاقية تلزم كل من الطرفين بمعاملة أي هجوم على الآخر كعدوان عليه، مع غموض متعمد حول آليات الرد العسكري التلقائي والأبعاد النووية.
هذا الاتفاق، الذي جاء في أعقاب هجوم إسرائيلي غير مسبوق على الدوحة في 9 سبتمبر 2025 استهدف قيادات حماس وأسفر عن مقتل مدنيين، يعكس قلقا متزايدا في الخليج من تراجع موثوقية الضمانات الأمريكية، خاصة بعد عدم رد واشنطن القوي على العدوان الإسرائيلي، وفقا لموقع "دويتش فيله" الألماني.
إعادة رسم خريطة الأمن الإقليمي: تركيا على أعتاب الانضمام.. أم مجرد تكهنات؟
يشير تحليل جورجيو كافيرو، الخبير في شؤون الخليج ورئيس مركز تحليلات الدول الخليجية Gulf State Analytics، التابع لمجلة "ناشونال إنترست" الأمريكية، إلى أن انضمام تركيا المحتمل إلى هذا الإطار يمثل تحولا جادا نحو إعادة ضبط الأمن الإقليمي في ظل عدم اليقين الجيوسياسي المتفاقم. إذ تواجه كل من تركيا والسعودية وباكستان تهديدات مشتركة على حدودها، ما يدفع نحو تكتلات أمنية مرنة متعددة الطبقات بدلا من التحالفات الجامدة.
ومع ذلك، أكدت مصادر سعودية مطلعة مؤخرا أن الاتفاق سيبقى ثنائيا مع باكستان، وأن تركيا لن تنضم رسميا، رغم تقارير سابقة عن محادثات متقدمة ومسودة اتفاق ثلاثي.
الأبعاد الاقتصادية والصناعية: من الدفاع إلى صفقات السلاح والإنتاج المشترك
يتجاوز التعاون الثلاثي المحتمل البنود النظرية للمعاهدات، ليتركز على تدفقات المشتريات العسكرية، اتفاقيات الإنتاج المشترك، الوصول اللوجستي، وهياكل التمويل. تمتلك باكستان قدرات نووية ورادعا عسكريا قويا، توفر السعودية رأس المال والثقل السياسي، بينما تساهم تركيا بصناعة دفاعية متقدمة وقوات مسلحة ذات خبرة عملياتية واسعة.
من المتوقع أن يبدأ أي تقدم ملموس بتدريبات مشتركة، تمويل صادرات، وشراكات صناعية، قبل أي إعلانات رسمية عن دفاع جماعي.
حسابات أنقرة: مواجهة العدوان الإسرائيلي وتعزيز الاستقلال الاستراتيجي
تزداد مخاوف أنقرة من العدوان الإسرائيلي العابر للحدود، خاصة في سوريا، الذي ينظر إليه كتهديد مباشر لمصالح تركيا الجيوسياسية والاقتصادية.
ترى تركيا في هذه المحادثات جزءا من رؤية أوسع للتعاون الإقليمي القائم على الثقة والاستقلال الاستراتيجي، بعيدا عن سياسات التكتلات التقليدية.
الرياض تسعى إلى التنويع: تحصين الأمن ضد تقلبات الالتزام الأمريكي
تسعى السعودية إلى توسيع شراكاتها الأمنية لتحصين نفسها ضد عدم استقرار الالتزامات الأمريكية، مع الحفاظ على واشنطن كضامن رئيسي غير حصري. الهجوم الإسرائيلي على قطر أكد مخاطر الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة، التي لم تقدم حماية كافية للدوحة.
باكستان في قلب الصفقات: بيع أسلحة، إنتاج مشترك، وتعزيز الردع
تركز حسابات إسلام آباد على البعد التجاري: بيع الأسلحة، الإنتاج المشترك، التدريب، والتسهيلات الائتمانية. تقول الدكتورة أرحمة صديقة من معهد الدراسات الاستراتيجية بإسلام آباد إن الاتفاق الثلاثي يرسخ العلاقات الثنائية القائمة عبر آليات دائمة وتوحيد موارد، لا يخلق صداقات جديدة.
بعد المواجهة العسكرية مع الهند في مايو 2025 (عملية "سندور" التي استمرت أربعة أيام)، وتصاعد التوترات على الحدود الأفغانية، يرى المسؤولون الباكستانيون في الاتفاق وسيلة لتعزيز الأمن والصمود.
الإشارات السياسية والردع: دعم سعودي وصناعي تركي يقوي موقف إسلام آباد
يؤكد الدكتور جوكهان إيريلي أن أي اتفاق ثلاثي يسد ثغرتين؛ هما الإشارة السياسية الاستراتيجية والردع الجماعي. وتمتلك باكستان قدرات عسكرية ضد الهند، لكن الدعم المالي السعودي والعمق الصناعي التركي يعززان موقفها، خاصة في تنسيق الاستخبارات على الحدود الأفغانية وحمايتها دبلوماسيا من العزلة.
بكين تراقب بحذر: استقرار باكستان أولوية.. والتصعيد مع الهند خط أحمر
تراقب الصين تحركات باكستان عن كثب، مدركة قيمة تحالفها الاستراتيجي مع إسلام آباد. من المرجح أن تقبل بكين الإطار إذا عزز الاستقرار الداخلي لباكستان وتجنب تأجيج التوترات مع الهند التي قد تعرقل مصالحها الاقتصادية والتجارية طويلة الأمد.
هل تعزز هذه الترتيبات مكانة باكستان أم تقيدها؟
هل يرفع هذا المحور مكانة إسلام آباد في الشرق الأوسط، أم يزيد من تعقيد علاقاتها مع إيران والإمارات؟ ترى الدكتورة سلمى مالك من جامعة قائد أعظم أن باكستان قد تبقى "غريبة" عن المشهد الأمني الشرق أوسطي، تلعب دورا رقابيا فقط، مما قد يكلفها مصداقيتها لدى بعض الحلفاء.
وفي نهاية المطاف، يمثل هذا الحوار الناشئ استجابة تكيفية لبيئة أمنية متعددة الأقطاب ومجزأة، حيث يمزج بين الدبلوماسية، وآليات الردع، وإبرام الصفقات، بعيدا عن التحالفات الجامدة التقليدية.