الجمعة 06 فبراير 2026 الموافق 18 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
فن ومنوعات

حتشبسوت.. الملكة التي "خدعت" التاريخ وانتزعت لقب الفرعون باللحية والتاج

الرئيس نيوز

ترتبط صورة كليوباترا في الوعي العام بفكرة الفرعون المرأة، باعتبارها المثال الأشهر والأكثر درامية لحكم نسائي في مصر القديمة. غير أن هذا التصور، رغم جاذبيته، يخفي تجربة أقدم وأكثر تعقيدا، تمثلت في حكم الملكة حتشبسوت، التي سبقت كليوباترا بأكثر من أربعة عشر قرنا، ونجحت في انتزاع لقب الفرعون داخل أحد أكثر الأنظمة السياسية والدينية محافظة وصرامة في التاريخ القديم، وفقا لمجلة هستوري إكسترا البريطانية.

وحكمت حتشبسوت مصر في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، خلال عصر الدولة الحديثة، وهو زمن بلغت فيه الملكية الفرعونية ذروة تماسكها الأيديولوجي. لم يكن الفرعون مجرد حاكم سياسي، بل كان تجسيدا للنظام الكوني، ضامنا لاستمرار "ماعت"؛ أي التوازن والعدل والنظام في الكون. ضمن هذا الإطار، ارتبطت السلطة العليا ارتباطا وثيقا بالذكورة، ليس اجتماعيا فقط، بل بصريا رمزيا ودينيا، ما جعل فكرة تولي امرأة الحكم تحديا وجوديا للنظام نفسه. 

وفي هذا السياق، لم تحاول حتشبسوت أن تهدم القواعد، بل اختارت طريقا أكثر دهاء يقوم على أساس فكرة التكيف معها. فبدأت حكمها كوصية على العرش للملك الصغير تحتمس الثالث، وهو دور مألوف للملكات في مصر القديمة. لكن ما لبث هذا الدور أن تطور تدريجيا، حتى أعلنت نفسها فرعونا كامل الصلاحيات، دون إقصاء رسمي للوريث، الذي ظل حاضرا في المشهد السياسي والعسكري.

وكان أحد مفاتيح نجاح حتشبسوت هو إدراكها العميق لقوة الصورة والرمز في الثقافة المصرية القديمة. فظهرت في النقوش والتماثيل بالهيئة الذكورية التقليدية للفرعون: الجسد الذكري، واللحية الاصطناعية، وأزياء الحكم المقدسة. لم يكن ذلك تنكرا لهويتها الأنثوية، بل التزاما صارما بالقواعد البصرية التي لا تعترف بشرعية الحاكم إلا ضمن هذا القالب. فالسلطة، في مصر القديمة، لم تكن ترى إلا بشكل واحد. 

وإلى جانب الرمزية، عززت حتشبسوت حكمها بإنجازات ملموسة. شهد عصرها ازدهارا اقتصاديا واستقرارا داخليا، وتوسعت شبكات التجارة الخارجية، لا سيما من خلال الرحلات الشهيرة إلى أرض بونت، التي جلبت ثروات ومواد نادرة عززت مكانة الدولة. 

كما أطلقت برنامجا معماريا ضخما، كان أبرز معالمه معبدها الجنائزي في الدير البحري، الذي مثل نقلة نوعية في العمارة الدينية الملكية.

ورغم الصورة الشائعة عن حكمها بوصفه سلميا، لم تتخل حتشبسوت عن أدوات القوة. فقد حرصت على إظهار قدرتها على الردع العسكري، وظهرت في النقوش وهي تسحق الأعداء وتجسد الفرعون المحارب، إدراكا منها أن الشرعية لا تكتمل دون القدرة على فرض الهيبة وحماية الحدود.

وبعد وفاتها، جرت محاولات ممنهجة لمحو اسمها وصورها من السجلات الرسمية، في ما بدا محاولة لإعادة التاريخ إلى مساره الذكوري التقليدي. غير أن هذه الجهود لم تكن كافية لإلغاء حقيقة أن حكم حتشبسوت كان ناجحا وفق المعايير المصرية القديمة في تحقيق ودعم الاستقرار، والازدهار، واستمرار النظام.

وعلى عكس كليوباترا، التي حكمت في عالم هلنستي وخلال حقبة يونانية مضطربة تهيمن عليها روما، أثبتت حتشبسوت أن المرأة قادرة على حكم أكثر أنظمة السلطة قداسة وجمودًا، شرط أن تتقن لغته وتفهم منطقه. وهنا تكمن أهميتها التاريخية الحقيقية، بعيدًا عن الأسطورة والرومانسية، كما تبرزها مجلة هستوري إكسترا البريطانية.