الإثنين 19 يناير 2026 الموافق 30 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

مقديشو تؤكد مباحثات أمنية مع مصر والسعودية: إعادة رسم النفوذ عند بوابة البحر الأحمر

الرئيس نيوز

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، أكد مسؤولون صوماليون إجراء مباحثات أمنية متقدمة مع كل من مصر والسعودية، في خطوة تعكس تحركا ثلاثيا لإعادة ضبط موازين النفوذ في القرن الأفريقي، أحد أكثر الأقاليم الجيوسياسية هشاشة وتشابكًا في العالم، وذو تأثير مباشر على أمن البحر الأحمر ومداخله الاستراتيجية، وفقا لصحيفة جارو أونلاين الصومالية.

وتأتي هذه المباحثات في ظل تصاعد القلق الإقليمي والدولي من تحولات أمنية متسارعة على امتداد الساحل الأفريقي المقابل لشبه الجزيرة العربية، حيث بات المدخل الجنوبي للبحر الأحمر- عند مضيق باب المندب- مسرحا لتقاطع المصالح الدولية، والتنافس الإقليمي، وامتدادات الصراعات غير المباشرة.

منهجية ثلاثية لأمن البحر الأحمر

تسعى القاهرة والرياض ومقديشو إلى إعادة ضبط ميزان النفوذ في القرن الأفريقي، من خلال كبح تمدد قوى إقليمية ترى العواصم الثلاث أن تصاعد حضورها يشكل تهديدا مباشرا لأمن البحر الأحمر واستقراره، لا سيما عند بوابته الجنوبية ذات الحساسية الاستراتيجية العالية.

وتنطلق هذه المنهجية من قناعة مشتركة بأن أمن البحر الأحمر لم يعد مسألة بحرية بحتة، بل بات مرتبطًا بشكل وثيق باستقرار الدول المشاطئة له، وقدرتها على ضبط أراضيها، وموانئها، ومجالاتها السيادية، في مواجهة جماعات مسلحة عابرة للحدود، أو ترتيبات نفوذ غير رسمية.

تمثل هذه المباحثات محاولة لتعزيز شرعية الدولة المركزية، بعد سنوات من التفكك المؤسسي وتعدد مراكز القرار. وتدرك مقديشو أن أي فراغ أمني أو سياسي في القرن الأفريقي يتحول سريعًا إلى بوابة لاختراقات خارجية، سواء عبر القواعد العسكرية، أو الاتفاقيات المينائية، أو دعم فاعلين محليين خارج إطار الدولة.

وتشير تحليلات الخبراء إلى أن الحكومة الصومالية باتت أكثر حذرا في التعامل مع المبادرات الأمنية القادمة من خارج الإقليم العربي، خصوصا تلك التي تحمل أبعادا عسكرية أو اقتصادية طويلة الأمد دون غطاء إقليمي واضح.

مصر: الأمن القومي يبدأ من الجنوب

من جانبها، تنظر القاهرة إلى القرن الأفريقي باعتباره امتدادا مباشرا لأمنها القومي، ليس فقط بسبب البحر الأحمر، بل أيضا لارتباطه غير المباشر بملف الأمن المائي، وحركة التجارة العالمية، وأمن قناة السويس.

وتكشف التحركات المصرية في هذا السياق — دبلوماسيا وأمنيا — سعيا لإعادة ترسيخ مبدأ أن أمن البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة له وشركائها الإقليميين، وليس ساحة مفتوحة لتجارب النفوذ أو صفقات الموانئ العابرة للسيادة.
 

السعودية: تحصين الخاصرة الجنوبية
أما الرياض، فتنطلق من موقف يعتبر أن أي اضطراب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ينعكس مباشرة على أمنها الوطني، وعلى مشاريعها الاقتصادية الكبرى المرتبطة بالملاحة والطاقة وسلاسل الإمداد.

وتتعامل السعودية مع القرن الأفريقي بوصفه حلقة أساسية في معادلة أمن البحر الأحمر، وتسعى، وفقا لصحيفة فايننشيال تايمز، إلى بناء شراكات أمنية مع دول ذات سيادة، بدل الاعتماد على ترتيبات مؤقتة أو قوى غير دولية.

ما وراء المباحثات: صراع نفوذ صامت

تعكس هذه التحركات إدراكا متزايدا لدى القاهرة والرياض ومقديشو بأن القرن الأفريقي بات ساحة صراع نفوذ صامت، تستخدم فيها أدوات غير تقليدية عبر استثمارات موانئ، واتفاقيات أمنية، دعم فصائل محلية، وقواعد عسكرية بواجهات مختلفة.

وفي هذا السياق، لا تخفي العواصم الثلاث قلقها من تمدد أطراف إقليمية لا تتقاطع مصالحها بالضرورة مع استقرار البحر الأحمر، ولا مع مفهوم الدولة الوطنية في القرن الأفريقي، وهو ما يفسر الحرص على تنسيق المواقف قبل أن تتحول الوقائع على الأرض إلى أمر واقع يصعب تعديله.

إعادة تعريف الأمن الإقليمي

وتشير صحيفة فايننشيال تايمز إلى أن هذا التقارب الثلاثي قد يكون نواة لإطار أوسع لأمن البحر الأحمر، يقوم على التنسيق الاستخباراتي، وبناء قدرات الدول الساحلية، ومنع عسكرة الموانئ خارج الأطر السيادية، بدل الاكتفاء بردود فعل متأخرة.

ورغم أن هذه المباحثات لا تزال في مراحلها الأولى، فإن دلالتها السياسية تتجاوز مضمونها المباشر، إذ تعكس تحولا من إدارة الأزمات إلى محاولة استباقها، ومن رد الفعل إلى إعادة هندسة التوازنات.

ولا يمكن فصل المباحثات الأمنية بين الصومال ومصر والسعودية عن السياق الأوسع لإعادة تشكيل النظام الإقليمي في البحر الأحمر. فالمسألة لم تعد من يملك النفوذ، بل من يحدد قواعده وحدوده.

وبينما تزداد أهمية القرن الأفريقي كممر حيوي للتجارة العالمية والطاقة، يبدو أن العواصم الثلاث تراهن على منهجية موحدة تقوم على الشراكة الإقليمية الصلبة، بدل ترك واحدة من أخطر بوابات العالم البحرية رهينة لتجاذبات وطموحات وأطماع بلا ضوابط.