الإثنين 19 يناير 2026 الموافق 30 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

هل ستقبل القاهرة الوساطة الأمريكية في ملف سد النهضة للمرة الثانية؟

الرئيس نيوز

عاد ملف سد النهضة الذي تبنيه أديس أبابا على مياه النيل الأزرق وترفض إبرام أي اتفاقات قانونية بشأن ملء وتشغيل السد مع دولتي المصب مصر والسودان، إلى الواجهة مرة أخرى، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الجمعة، استعداده لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا بشأن تقاسم مياه نهر النيل.

وتؤكد القاهرة أن السد الإثيوبي سيلحق ضرارًا بالمصالح المصرية في مياه النيل في إشارة إلى حصة مصر السنوية من مياه النيل، وهو الأمر الذي لن تقبل به بأي حال من الأحوال، وتعتبره خطًا أحمرًا لها. 

وتسببت الإدارة العشوائية للسد الإثيوبي في موجة فيضانات تسببت في إغراق العديد من أراضي طرح النهر في مصر، فضلًا عن إغراق العديد من القرى في السودان. 

وتوسطت إدارة ترامب في الملف إبان الفترة الرئاسية الأولى ورفضت أديس أبابا التوقيع على الاتفاق في صياغته بعد انتهاء جولات التفاوض برعاية ترامب. كجزء من سياسة التعنت الأثيوبية خلال جميع جولات التفاوض،  

وقال ترامب، في خطاب إلى الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، نشره عبر منصته "تروث سوشيال": "أشكركم على قيادتكم الناجحة في التوسط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، وأُقدّر وأُثني على دوركم الفاعل في إدارة التحديات الأمنية والإنسانية العديدة التي واجهت هذه المنطقة، وشعبكم، منذ 7 أكتوبر 2023 (يوم شن حماس هجومها على إسرائيل). لقد أثّرت هذه الحرب بشدة على المصريين، وليس فقط على جيرانهم في إسرائيل وغزة". وأضاف: "انطلاقًا من روح صداقتنا الشخصية والتزام أمريكا بالسلام ورفاهية الشعب المصري، فأنا على استعداد لاستئناف الوساطة الأمريكية بين مصر وإثيوبيا لحل مسألة "تقاسم مياه النيل" بشكل مسؤول ونهائي".

وتابع: "أنا وفريقي ندرك الأهمية البالغة لنهر النيل لمصر وشعبها، وأرغب في مساعدتكم على التوصل إلى حل يضمن تلبية احتياجات مصر وجمهورية السودان وإثيوبيا من المياه على المدى البعيد". وذكر: "تؤكد الولايات المتحدة أنه لا ينبغي لأي دولة في هذه المنطقة أن تسيطر بشكل منفرد على موارد النيل الثمينة، وأن تُلحق الضرر بجيرانها في هذه العملية". وأردف: "أعتقد أنه من خلال الخبرة الفنية المناسبة، والمفاوضات العادلة والشفافة، ودور الولايات المتحدة الفعال في المراقبة والتنسيق بين الأطراف، يمكننا التوصل إلى اتفاق دائم لجميع دول حوض النيل".

وقال: "سيضمن هذا النهج الناجح إطلاق كميات منتظمة من المياه خلال فترات الجفاف والسنوات الجافة الممتدة لمصر والسودان، مع تمكين إثيوبيا من توليد كميات كبيرة من الكهرباء، والتي يمكن ربما منح جزء منها أو بيعه لمصر أو السودان".

وتابع: "أشكركم مجددًا على الصداقة والشراكة التي قدمتموها لي ولشعب الولايات المتحدة، ويُعدّ حلّ التوترات المحيطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير على رأس أولوياتي، إذ أسعى جاهدًا لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط وأفريقيا. آمل بشدة ألا يؤدي هذا الخلاف المفهوم تمامًا حول سد النهضة الإثيوبي إلى صراع عسكري كبير بين مصر وإثيوبيا".

السفير السابق أيمن زين الدين كتب عبر صفحته على “فيسبوك”: "أتمنى الا نتجاوب مع عرض ترامب الوساطة في موضوع سد النهضة، حتى لو اقتضت الحكمة عدم رفضه أو التظاهر بالتعامل معه إيجابيًا، وذلك للأسباب التالية:

1. إن ترامب لا يمكن أن يقوم بشيء مفيد لمصر -أو غيرها- دون أن يطلب مقابلًا أكبر مما أعطاه.... بعبارة أخرى، فإننا لن نخرج من مثل هذه الوساطة -إذا تركناها تأخذ مقود الأمور- إلا بمكاسب محدودة، وبمقابل كبير تفوق تكلفته ما حققناه من مكاسب.

2. إن ترامب لا يضع يده في أمر كهذا إلا وتركه أكثر ارتباكًا وتعقيدًا، سواء لأنه لا يعرف أصول التفاوض الدبلوماسي، أو لأنه يتعمد تعقيد الأمور، أو لأنه لا يكون جادًا فى تناولها أصلًا، ولا يستهدف إلا مصلحة ضيقة له.

3. إن أى مكاسب فى ملف النيل تحققها مصر بدعم من ترامب، حتى لو كانت أقل من حقوقها، ستحسب عليها، وعندما يأتى اليوم الذى يترك فيه ترامب الساحة، سيسعى كثيرون - بما في ذلك في قيادة أمريكا نفسها - إلى انتزاع هذا المكسب منها، مهما كان مستحقًا، انتقامًا من ترامب.

4. إن مصر وضعت معادلة مقبولة مرحليا لحماية حقوقها فى مياه النيل، والأرجح أن أثيوبيا لن تغامر باستفزاز مصر أو الانتقاص من مصالحها فى الأجل المنظور، وهو ما يعطى مصر مساحة زمنية أوسع لترتيب الأمور بشكل أكثر حزمًا واستدامة بشروطها هي ووفقا لمصالحها هي.

اختتم السفير أيمن تدوينته بالقول: “اللعب مع ترامب لا يخلو من المسامير، لذلك فإن تفاديه أأمن وأصوب، مهما بدا مغريًا”.

أما الباحثة ماجدة القاضي كتبت عبر “فيسبوك”: “الخطاب الأمريكي لمصر… ليس وديًا بالمرة”.

قالت: “الخطاب الأمريكي الأخير بشأن سدّ النهضة لا يمكن قراءته بوصفه رسالة ود أو تهدئة. هذه قراءة سطحية خاطئة في  فهم طبيعة النص ووظيفته السياسية. فالخطاب لا يحمل وعودًا، ولا ضمانات، ولا ضغطًا على الطرف الإثيوبي، بل يعمل بطريقة مختلفة تمامًا: إعادة تعريف الأزمة، وضبط حدود الحركة داخلها”.

تضيف: "الخطاب لا يقول لمصر “نحن معك”، ولا يقول لإثيوبيا “تراجعي”، بل يقول للطرفين معًا: لا تغيّروا قواعد اللعبة أنا ربكم الأعلى لم اسمح بذلك "لغة تبدو هادئة… لكنها تُفرغ القضية من مضمونها". أول ما يلفت في الخطاب هو ما لم يُذكر فيه. لا حديث عن حقوق مائية، ولا عن ضرر جسيم، ولا عن قواعد ملء وتشغيل ملزمة، ولا عن آلية تنفيذ أو ضمان. كل المفردات القانونية الثقيلة غائبة عمدًا وكل أشواط التفاوض التى تحملت فيها الصيف الإثيوبي تم نسيانها ببساطه".

يتابع: “بدل ذلك، تُوصَف الأزمة بأنها “نزاع مفهوم”. وهنا تكمن الحيلة الأساسية: حين تتحول القضية من تهديد وجودي إلى “نزاع مفهوم”، تُسحب منها صفة الاستثناء، ويتم غلق  الباب أمام أي مسار حاسم، وتوضع  في خانة الخلاف القابل للإدارة لا الحل. ثم تأتي الجملة الأخطر: التحذير الناعم من الصدام العسكري. هذه ليست نصيحة، بل ترسيم لخط أحمر.  الرسالة الضمنية واضحة: أي تحرك حاسم سيُقرأ كخروج عن الإجماع الدولي، لا كدفاع عن حق”.

تضيف: “السؤال لماذا الآن؟. العودة الأمريكية للحديث عن السد في هذا التوقيت لا ترتبط بتطور فني في المشروع، فالسد لم يتغير بكل أزماته وعيوبه وتمويله الأمريكى المعروف. ما تغيّر هو سلوك مصر الإقليمي. التحرك المصري في الصومال كشف قدرة القاهرة على تغيير موازين دون حرب، وبأدوات سيادية ذكية، وداخل إطار الشرعية. هذا النوع من الحركة الهادئة هو تحديدًا ما تسعى واشنطن إلى احتوائه، لا إلى تشجيعه”.

تؤكد القاضي أن “فتح ملف السد الآن ليس مبادرة حل، بل إجراء فرملة سياسية قبل أن يتسع هامش المبادرة المصرية في القرن الإفريقي. الصومال والقرن الإفريقي: الخلفية الحقيقية. واشنطن لا ترى سد النهضة كملف مياه منفصل، بل كجزء من منظومة أوسع تشمل: القرن الإفريقي، أمن البحر الأحمر، الطاقة، وإدارة النفوذ في منطقة حساسة تشهد تنافسًا دوليًا متصاعدًا”.

لفتت إلى أنه حين تتحرك مصر كلاعب قادر على تعديل التوازن في الصومال، فهذا ينعكس مباشرة على موقع إثيوبيا الإقليمي، وعلى ترتيبات البحر الأحمر، وعلى معادلة “الاستقرار المُدار” التي تعتمدها واشنطن. ومن هنا جاء الخطاب: هادئ في لغته، لكنه حاسم في رسالته. رسالة تقول: مصر توقفي عند هذا الحد.

لماذا السعودية والإمارات؟

تتساءل الباحثة ماجدة القاضي، لماذا ذُكرت السعودية والإمارات في سياق الخطاب؟"، تجيب: "إدراج السعودية والإمارات في الـ CC لم يكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل خطوة سياسية مقصودة لها ثلاث وظائف واضحة. أولًا، توسيع دائرة الأزمة وتحويلها من ملف ثنائي أو قانوني إلى ملف إقليمي متعدد الأطراف، يُدار بالتوازنات لا بالنصوص. هذا يُضعف مركزية القرار المصري ويخفف الضغط عن إثيوبيا. 

ثانيًا، إعادة توظيف الخليج ككابح لا كداعم. وجود أطراف إقليمية مؤثرة على الطاولة يعني ضمنيًا أن أي تصعيد مصري سيُقرأ كتهديد للاستقرار الجماعي، لا كدفاع سيادي منفرد. 

ثالثًا، التمهيد لمسار اقتصادي لاحق. السعودية والإمارات ليستا وسيطتين سياسيتين فقط، بل فاعلتان في الطاقة والاستثمار والبنية التحتية في القرن الإفريقي وشريك أساس في البنية الاقتصادية في مصر. إدراجهما في الخطاب هو تهيئة مبكرة للانتقال من منطق الحقوق إلى منطق الترتيبات والمنافع والصفقات. 

تتسائل القاضي أيضًا عن “ما الذي تريد واشنطن تثبيته؟”، تجيب: "الخطاب لا يبحث عن اتفاق، بل عن تثبيت وضع:
إثيوبيا داخل شرعية الأمر الواقع. السد خارج أي تهديد حقيقي. مصر داخل سقف التهدئة والانضباط. الهدف ليس حل الأزمة، بل إعادة هندسة موقع مصر: من لاعب يغيّر الموقف بحنكة، إلى طرف يُضبط إيقاعه بهدوء".

تختتم القاضي تدوينتها بالقول: "الخاتمة الاستشرافية. السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا تريد واشنطن من هذا الخطاب؟
بل: هل تقبل مصر أن تعود إلى الإيقاع الذي يُضبط لها؟ إذا قبلت القاهرة هذا التعريف الأمريكي للأزمة، فسيُغلق ملف السد كقضية حقوق، ويُعاد فتحه كملف إدارة ومقايضة وشراكات طويلة الأمد تُدار من الخارج. أما إذا رفضت هذا الضبط الناعم، فسنكون أمام مرحلة مختلفة، تُوسّع فيها مصر نموذج الصومال، وتستثمر أدواتها الإقليمية بهدوء، وتُبقي السد ملفًا مفتوحًا لا صفقة مُغلقة. ولهذا جاء الخطاب الآن، بهذه اللغة تحديدًا، وبهذا السقف المنخفض.. لا تنخدعوا باللطف الأمريكى في الواجهه فلم تعد أمريكا تمتلك لطف لأحد".